تواجه حكومة المحافظين البريطانيّة تحديات جمّة على الصعيد الاقتصادي، ليس أقلّها إدارة مشروع الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو ما يسمى بالـ"بريكست". بريطانيا التي تراجعت حصة الناتج القومي للفرد فيها، منذ بداية القرن الحالي، لتتأخر عن الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي، تفوّقت فقط على إيطاليا التي تعيش بدورها سلسلة مشاكل اقتصادية صعبة، دفعت البعض إلى توصيفها بـ"رجل أوروبا المريض".

تعاني المملكة من أعلى تفاوت في الأجور على مستوى القارة الأوروبية، وقد تراجع مستوى الدخل الحقيقي للمواطنين فيها بمعدل ١٠ في المئة، خلال ثماني سنوات، مقارنة بارتفاع الأجور الحقيقية في فرنسا وألمانيا في الفترة ذاتها. ويعمل البريطانيون عموماً ساعات أطول مقارنة بأقرانهم الأوروبيين، وبإنتاجيّة تقل عن معظم دول القارة ربما باستثناء اليونان المفلسة، وإيطاليا التي على وشك الإفلاس. وتملك المملكة أعلى عجز في الحساب الجاري مقارنة بالدخل القومي في مجموعة الـ١٥ الأوروبيّة، إضافة إلى تاريخ مخجل من النمو.
ليس ذلك فقط، بل تتربص بالاقتصاد البريطاني مجموعة أوجاع مزمنة قد تُضاعف من التأثيرات السلبية المتوقعة للـ"بريكست": هناك ضعف عام في حجم الاستثمار في البلاد، لا سيما في مشاريع البنية التحتيّة، ومستويات غير كافية من التعليم الأساسي، وتشوهات بنيوية في قطاع الإسكان، ومركزية حكم متصاعدة، وتباين اقتصادي ملموس بين العاصمة والأطراف، الأمر الذي يجعل اقتصاد البلاد في أسوأ وضع ممكن، لمواجهة تبعات قرار بخطورة الـ"بريكست".

تعاني المملكة أعلى تفاوت في الأجور على مستوى أوروبا

ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت ــ بفضل عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بالذات ــ تطوّر صناعات عالية التقنية وثقيلة كادت أن تذكّر البريطانيين بأيام الصناعات الثقيلة، التي قضت عليها منذ الثمانينيات سياسة اليمين في عهد مارغريت تاتشر، فإن نتيجة استفتاء الـ"بريكست" دفعت شركات الصناعات الكبرى كـ"نيسان" و"تويوتا" إلى تأجيل توسعاتها واستثماراتها في بريطانيا، بانتظار وضوح الرؤية في ما يتعلق بترك الاتحاد الأوروبي، وهي ربما تغادر المملكة إذا أثّر ذلك على سوقها الأوروبي الضخم.
كيف نفسر إذن المزاج الانتخابي البريطاني، الذي رغم كل أوجاع الاقتصاد وسياسات التقشف والخصخصة اليمينية الفاشلة، أعاد في العام 2015 انتخاب حكومة المحافظين بالغالبية، لتتولى الحكم لخمس سنوات لاحقة، ومن ثم صوّت في العام 2016 على الخروج من الاتحاد الأوروبي؟
بالطبع، توجد أمور مختلفة على مستويات متعددة، قد تفسر جزئياً هذه الطاقة السلبية التي ألمّت بالبريطانيين، بيد أن الطريقة الوحيدة لفهمها، ربما تكون في وضعها في إطارها التاريخي. لقد أدى اختطاف اليمين لحزب العمال البريطاني في عهد توني بلير، وتورّطه سيء الذكر في غزو العراق، إلى فقدان الجمهور البريطاني ثقته باليسار "منزوع الدسم" الذي كان يمثله حزب العمال (أقله قبل وصول جيريمي كوربين)، وبالتالي صوّت احتجاجاً في الانتخابات العامة لمصلحة المحافظين والليبراليين. المحافظون الذين افتقدوا بشدّة إلى أي شخصيات أو سياسات ملهمة، انتهوا إلى رئيس وزراء باهت مثل ديفيد كاميرون، الذي وصفه مؤرّخون بريطانيون بأنه أسوأ رئيس وزراء للمملكة منذ بداية القرن العشرين. وقد حاول هذا الأخير إرضاء جمهوره التقليدي الأبيض في إنكلترا، والمتحوّل عنه إلى حزب "الاستقلال" الشعبوي، عن طريق لعب ورقة الهجرة في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، فأعاد إطلاق فتنة ومزاجات، لتطلّ برأسها القبيح من جديد. إنها مشاعر التفوق العرقي والنقاء التي لا يكاد بريطاني واحد يتمتع بالمناعة ضدها، في لاوعيِه الموروث.
تلك المشاعر التي خلفتها التجربة الرأسماليّة الإمبريالية، هي التي يعزف عليها ساسة اليمين البريطاني لتعويض فشلهم المزمن في تقديم أي حلول توقف التراجع المستمر في الأوضاع الاقتصادية للطبقة العاملة البريطانية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
تغيّر العالم كثيراً منذ أيّام الإمبراطورية البريطانية القديمة. لقد تدفقت على المملكة جماهير غفيرة من المهاجرين من "العالمين، الثاني والثالث"، واكتسبت مجموعات واسعة من هؤلاء، لاسيما من الجيل الثاني والثالث، أصواتاً خاصة مختلفة في إطار بريطانيا ما بعد حرب السويس 1956. وفي الوقت نفسه الذي كانت فيه بريطانيا تتحول إلى مجرّد جزيرة هامشية على أطراف أوروبا الغربية، كانت العولمة المتأمركة تأخذ مداها، فيما تصعد في الكوكب قوى جديدة كالصين والهند إلى جانب اكتمال عودة المنكسرين في الحرب العالمية الثانية (ألمانيا واليابان).
في هذا "العالم المزدحم"، إذا ما أصر كل شعب على النقاء أو التفوّق العرقي، فإن ما سنحصل عليه هو الطنين السيء لرهاب الآخر وصراعات الهويات الملفقة. البريطانيون بانتخابهم المحافظين في العام 2015، وبتصويتهم للخروج من الاتحاد الأوروبي ــ على علّاته ــ في العام 2016، إنما يسلكون طريق الانعزال في الاتجاه الخطأ من مسار التاريخ، الأمر الذي سيكون فادح التكلفة على الصعيد الاقتصادي على الأقل، وستدفع ثمنه الطبقة العاملة البريطانيّة من قيمة أجورها الحقيقية، ومن تراجع قيمة ممتلكات البلاد على نحو سيسرّع في انتقال بريطانيا من الشمال الأوروبي المزدهر إلى ضيف دائم مع مجموعة دول جنوب أوروبا الفقيرة المفلسة.
بريطانيا اليوم لا تبدو قادرة على إنتاج سياسيين ذوي رؤية إستراتيجية تأخذ البلاد إلى الغد الأفضل. والنخبة اليمينية الحاكمة المهيمنة استنفدت الشخصيات ذات القيمة الحقيقية لمصلحة موظفين تكنوقراط ــ مثل تيريزا ماي ــ غير قادرين على استيعاب تحديات المرحلة، وذلك في وقت أفلست فيه تجربة حزب العمال المعارض نهائياً على يد توني بلير وأتباعه. الطبقة العاملة البريطانية بخضوعها لهؤلاء، وتصويتها ضد ذاتها مرتين خلال عامين، حكمت على نفسها بالفقر والتهميش لعقود مقبلة، لكنها والحق يقال افتقدت بشدة لأي بدائل ملهمة بسبب عقم منظومة السياسة في البلاد. قد توصف بريطانيا اليوم بأنها أمة في أزمة عميقة، إذ مات قديمها، ولم يولد جديدها بعد، وهي مرشحة دون شك لعقود من المعاناة الاقتصادية إلى أن يولد هذا الجديد.