منذ تسلّم بن علي يلدريم منصب رئاسة الوزراء في تركيا، كثر الحديث عن الدور الذي سيلعبه «الصديق المخلص للرئيس» وعن التغييرات التي ستترافق مع هذا التعيين على الصعيدين المحلي والدولي. وفي حين رأى البعض أن هدف يلدريم الرئيسي سيكون إعادة ترتيب علاقات تركيا الخارجية، لا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، أشار آخرون إلى أن تشكيل حكومته يمثّل خطوة إضافية على طريق وضع السلطة كاملةً في يدي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

في كلمة ألقاها فور اختياره في شهر أيّار، ووصفها النقّاد بـ«قسم الولاء» لأردوغان، أكّد يلدريم أن مهمته الأساسية في المرحلة المقبلة ستكون الإشراف على صياغة دستور جديد يحوّل البلاد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، لا سيما أن أردوغان، على حدّ قوله، «محبّ للشعب التركي، ويهتم بمشاكله وهمومه».
لكن بدا أن محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد بعد شهرين قلبت سلم الأولويات ووضعت في الواجهة مسألة ملاحقة من يحاول «زعزعة أمن البلاد»، فأصبحت حملات الدهم والاعتقالات والإقالات الواسعة التي طالت جميع أطراف المعارضة، أول «إنجازات» عهد رئيس الوزراء الجديد.

يكرّس يلدريم جهوده لتنفيذ رغبة أردوغان في اعتماد النظام الرئاسي

تنتقد الصحافية التركية، جايدا كاران، الحملة الشرسة ضد المعارضين وحالات التعذيب التي حصلت في السجون التركية إثر الانقلاب، مشيرة إلى أن أردوغان يريد أن يحوّل تركيا إلى «إمارة إسلامية دكتاتورية فاشية»، وأن يلدريم سيساعده على ذلك.
من جهة أخرى، كان لمحاولة الانقلاب تداعيات ألقت بثقلها على العلاقات الخارجية لتركيا، ورأى البعض أنه لا بد من أن تعيد ترتيب قائمة «الأصدقاء والأعداء». فيما أشارت صحيفة «حرييت» إلى أنه من خلال استبدال رئيس الوزراء السابق، أحمد داوود أوغلو، بيلدريم، كان أردوغان يسعى «بشكل واضح لتغيير سياسة بلاده الخارجية، أملاً في إنهاء العزلة الدولية التي تسببت فيها سياسات داوود أوغلو».
ومنذ تعيين يلدريم الذي وعد بالعمل على «زيادة عدد الأصدقاء وتقليص عدد الأعداء»، كتبت الصحافة التركية عن «تحسّن» العلاقات التركية ــ الروسية وحتى التركية ــ الإسرائيلية (علماً بأن العلاقات التركية ــ المصرية والتركية ــ الأوروبية لا تزال على حالها)، وعن سعي تركيا إلى اتباع «نهج أكثر سلمية». وهو الأمر الذي جعل من داوود أوغلو كبش فداء لإخفاق بعض سياسات تركيا الخارجية خلال الأعوام الماضية.
يرى الكاتب الصحافي التركي، حسن سيفري، أنّ تغييرات السياسة الخارجية جاءت على صعيد «الأقوال وليس الأفعال»، معتبراً أنّ تعيين يلدريم لا يبدّل شيئاً، إذ إن «أردوغان هو من يتخذ القرارات وليس رئيس الوزراء». وتؤكد جايدا كاران على خلاصات سيفري، وترى أن «هناك حاكماً واحداً في تركيا، هو أردوغان... وإذا كان داوود أوغلو أو يلدريم في المنصب، فليس هناك أي فرق»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أنّ الإطار العام لسياسات الرئيس التركي تكاد تتلخص «بمحاولة اللعب على الحبلين، أي بين واشنطن وموسكو».
في الفترة الأخيرة قبل تخلي داوود أوغلو عن منصبه وانسحابه من الحياة السياسية، لم يكن خافياً توتر العلاقة بينه وبين من كان يوماً صديقه المقرّب، أردوغان. تسارعت حينها حملة التشهير ضده، كان أبرزها تسرّب تقرير شبه استخباري إلى الصحافة المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي، بعنوان «ملفات بليكان» (وهي كلمة تعني طائر البجع)، سلّط الضوء على 27 نقطة خلاف بين أردوغان وداوود أوغلو، واتهم الأخير بـ«خيانة الأمانة».
وفي 28 نيسان الماضي، سحبت لجنة «حزب العدالة والتنمية» المركزية صلاحية تعيين رؤساء فروع الحزب في المقاطعات من رئيس الحزب في حينه، داوود أوغلو، في خطوة يقول مناصرو أردوغان إنها جاءت بعدما قام داوود أوغلو باستبدال 15 من رؤساء الفروع بآخرين من أنصاره، في مؤشر على «سعيه إلى السيطرة على الحزب وإضعاف نفوذ أردوغان».
ولعلّ من ضمن العناوين العديدة التي تسببت في الخلاف الذي برز في أواخر 2015، هو تحويل النظام إلى رئاسي ونقل القسم الأكبر من الصلاحيات التنفيذية لرئيس الوزراء إلى جعبة رئيس البلاد. ويتهم مؤيدو أردوغان داوود أوغلو بـ«المماطلة» في إنهاء مسودة التعديل الدستوري ودعم النظام البرلماني القائم وعدم الدفاع عن الرئيس أمام هجمات المعارضة، لا سيما خلال الانتخابات الأخيرة. وكان زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، كمال كليتش دار أوغلو، قد أدرج خطوة إطاحة رئيس الوزراء السابق في خانة مساعي أردوغان لتعزيز سلطات الرئاسة، ووصف الأمر بأنه «انقلاب من القصر».
ووفق الصحافة المحلية، فإنّ داوود أوغلو، المحاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والذي تزعم «حزب العدالة والتنمية» وأصبح رئيساً للوزراء بدعم أردوغان ومباركته عام 2014، لم ينجح في امتحان «الإخلاص والطاعة» لـ«الزعيم»، وبالتالي جرى استبداله بيلدريم ليساعد الرئيس في مسعاه لتكريس سلطته التامة على الحكم في البلاد.
ويوصف يلدريم، الذي ولد في بلدة رفاهية بمحافظة أرزينجان شرقي الأناضول عام 1955، بأنه رجل الرئيس المخلص، إذ إنه وقف إلى جانب أردوغان منذ تأسيس «حزب العدالة والتنمية» في عام 2001، وكان موضع ثقة طوال هذه المدة. كان بعيداً عن عالم السياسة بحكم تخصّصه في الهندسة والملاحة البحرية، لكنه أشرف في أوقات لاحقة على العديد من مشاريع البنى التحتية، مثل القطار السريع والنقل البحري، وعمل على تحسين الانترنت وخدمات الخطوط الجوية التركية والطرق السريعة. وأكسبت هذه المشاريع الصناعية والصحية والتعليمية حكومة أردوغان شعبية كبيرة، كانت تساهم في الفوز في الاستحقاقات الانتخابية.
وبالرغم من أن يلدريم كان من مؤسّسي «العدالة والتنمية»، فإنه ليس من الشخصيات القوية في الحزب، بل كان يحيا دائماً في ظل أردوغان، بعكس داوود أوغلو، الذي كان يحوز «ولاءات» خاصة به، وكان قادراً بصورة أو بأخرى على التقليل من نفوذ أردوغان، لا سيما بعد خروج الأخير من الحزب لتسلّم رئاسة البلاد.
ويقول حسن سيفري إن داوود أوغلو كان معروفاً داخل الحزب بـ«المعلّم» الذي هندس السياسة الخارجية لتركيا، وبالتالي فإن واقع تزايد شعبيته كان يشكّل خطراً على أردوغان. لذلك، يرى المراقبون أن شخصية يلدريم تتناسب أكثر مع طموحات أردوغان، إذ إن الأخير يحتاج إلى رئيس وزراء يلعب دور المساعد التنفيذي لرئيس الجمهورية، ويكرس جهوده في تغيير نظام الحكم الذي سيضع حدّاً لأزمة الشرعيات المتنافسة بين المنصبين.
وبينما انشغلت السلطات التركية عقب محاولة الانقلاب بـ«ملاحقة جماعة فتح الله غولن»، واضعة جانباً المقترح الذي يحثّ على انتقال البلاد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، فإنّ الملف عاد اليوم إلى الواجهة، وقد صرّح يلدريم نفسه قبل يومين بأن الحكومة ستقدّم «قريباً جدّاً» اقتراحات إلى البرلمان لإدخال تعديلات دستورية تعزز سلطات الرئيس. ولو نجح ذلك، يكون أردوغان الذي يواصل تكريس سياساته الهادفة إلى إكساب بلاده ثقلاً إقليمياً يجعلها «بوابة الشرق الأوسط»، قد وضع الشخص المناسب في المنصب المناسب.




النظام الرئاسي يقترب

يتوقع المحللون أن يجري الاستفتاء على تعديلات الدستور في النصف الأول من العام المقبل، ما سيتيح لرجب طيب أردوغان حل مسألة الصلاحيات الرئاسية التي يتطلع إليها منذ وقت طويل.
ومن التعديلات التي يتكرر ذكرها في الصحف المحلية، إمكانية انتماء الرئيس الى حزب سياسي أو تمكينه من تسمية الوزراء مباشرة، في حين يقوم رئيس الوزراء بذلك الآن. ويقول المسؤولون الحكوميون إن البلاد تحتاج إلى نظام رئاسي لتشريع الوضع القائم بعدما أصبح أردوغان زعيماً بلا منازع.
لكن لتعديل الدستور، يحتاج "العدالة والتنمية" إلى أغلبية كبيرة من 367 صوتاً من أصل 550 نائباً في الجمعية الوطنية، فيما يشغل 316 مقعداً حالياً. أما لطرح التعديلات في استفتاء، فيحتاج الحزب إلى 330 صوتاً فقط، وهذا ممكن في حال حصل على دعم حزب الحركة القومية، برئاسة دولت بهشلي والذي يشغل 40 مقعداً.
في جانب المعارضة، أعلن صلاح الدين دميرتاش، قبل يومين، أن "المشاركة في هذا التصويت المهزلة... مثل تشريع الدكتاتورية من خلال صناديق الاقتراع"، فيما رأى الباحث فادي هاكورا أن "النظام الرئاسي سيعزز الاستقطاب الإيديولوجي بشكل أكبر ويقوّي النزعة المحافظة... كما سيزيد من حدة الانقسامات القائمة السياسية والفكرية والطائفية التي تؤرق المشهد السياسي والنسيج الاجتماعي في تركيا".
(الأخبار، أ ف ب)