غصّت صفحات الصحف الأميركية، أمس، بمشهد المناظرة الأخيرة التي جمعت المرشح الجمهوري دونالد ترامب والمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون. وعلى الرغم من أن هذه المناظرة لم تحمل مواقف جديدة مختلفة عن المناظرتين السابقتين، سوى بتصريح كلينتون أنها مع إقامة منطقة عازلة في سوريا ــ أمر كانت قد ذكرته في أكثر من مناسبة وتجمّع انتخابي ــ فإنّ الإعلام الأميركي وجد في الحدث ما يركّز عليه، في سياق انتقاداته المتواصلة للمرشح الجمهوري. وكان أكثر ما استحوذ على تفكير غالبية المحللين عدم إعلان ترامب ما إذا كان سيقبل بنتيجة الانتخابات، الأمر الذي يفتح الباب أمام تكهّنات بهذا الشأن، في ظل ما يجري تداوله عن احتمال خروج مناصريه للتنديد بالنتائج في حال خسارته، نظراً إلى تشكيكه في إمكانية تزويرها.

في هذا الوقت، كانت استطلاعات الرأي تستحوذ على حيّز مهم جداً من المساحات الإعلامية، أيضاً، وهي في معظمها ترجّح كفة كلينتون، متماهية بذلك مع الجو الإعلامي. ولكن لا يمكن وضعها في إطار منعزل عن أداء ترامب العام، الذي كانت وما زالت تصريحاته تثير غضب فئات عدة من الأميركيين، من السود إلى المسلمين إلى اللاتين وغيرهم، فضلاً عن دعواته المتكررة إلى بناء جدار يمنع قدوم المهاجرين، وغيرها من التوصيفات التي أطلقها، ولاقت جدلاً واسعاً. وإن كانت هذه التصريحات قد ساهمت في شيء، ففي إعطاء الإعلام مادة دسمة للتداول، وأيضاً تقييد قدرة المرشح الجمهوري على جذب ناخبين إضافيين، في وقت أفيد فيه عن خسارة الجمهوريين لولايات مساندة لهم تاريخياً.
بناءً عليه، وبالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات في الثامن من تشرين الثاني، بدأت استطلاعات الرأي الصادرة عن المراكز المحلية التابعة للولايات، وعن معاهد كبرى وغيرها الصادرة عن وسائل الإعلام، تركّز على شكل المجمّع الانتخابي (electoral college) المرتقب والمؤلف من 538 مندوباً، والذي سيُعقد في 14 من تشرين الثاني، من أجل اختيار الرئيس رسمياً بعد التصويت الشعبي. فمن المتعارف عليه، وفق النظام الانتخابي الأميركي، أن التصويت لا يجري بشكل مباشر كما هو ظاهر، ذلك أن الناخب يقوم باختيار الرئيس ونائبه، إضافة إلى مندوبين للتصويت لخياره في المجمع الانتخابي. ولا يجتمع المندوبون في مكان واحد، بل في ولاياتهم في أوقات متزامنة، من أجل التصويت النهائي للرئيس، الذي يجب أن يحصل على 270 صوتاً، ليصادق بعدها مجلس النواب رسمياً عليه في السادس من كانون الثاني.

تحوّلت بعض الولايات
الجمهورية إلى تنافسية أو ديموقراطية

ويتوزّع عدد المندوبين على مجموع الولايات، لتحوز ولاية كاليفورنيا أكبر عدد (55 مندوباً) نظراً إلى عدد سكانها المرتفع. وفيما تشهد الانتخابات الحالية وضعاً استثنائياً أحدثه ترشح ترامب، وحدوث شرخ بينه وبين حزبه، فقد ظهر هذا التطوّر في ولايات أساسية كانت تعدّ تاريخياً معقلاً للحزب الجمهوري، ومنها ولاية أريزونا (11 مندوباً) التي تتحوّل إلى ساحة معركة مرتقبة، بإظهار استطلاعات الرأي التي أجريت فيها تفضيل الناخبين لكلينتون بفارق 5 نقاط. وقد استقطبت هذه الولاية تركيز الكثير من المراقبين، إذ إن الرابح فيها منذ عام 1952 طالما كان جمهورياً، باستثناء عام 1996 عندما فاز الديموقراطي بيل كلينتون على منافسه بوب دول بفارق بسيط. ولكن يبقى في هذه الولاية 20% من الناخبين ممّن لم يقرروا لمن سيصوّتون، ما يدفع ترامب إلى تفعيل حملته فيها لتقليص الفرق مع منافسته التي يقع على عاتقها جهد الحفاظ على ما حققته حتى الآن.
من جهة أخرى، تظهر ولاية يوتاه (6 مندوبين) التي كشفت استطلاعات الرأي أنها تتحوّل أيضاً من معقل للجمهوريين إلى ساحة معركة. فمن المعروف أن هذه الولاية طالما صوّتت لمصلحة الجمهوريين، منذ عام 1964، حتى إنها سمحت للمرشح الجمهوري ميت رومني، في عام 2012، بتحقيق أكبر فرق على مستوى الولايات أمام الديموقراطي باراك أوباما، وذلك بحصوله على نسبة 72.8% من الأصوات مقابل 24.8%. ولكن في الانتخابات الحالية، يتصدر المرشح المستقل إيفان ماكمولين الاستطلاعات بـ31%، ليحل بعده دونالد ترامب بـ27%، ثم هيلاري كلينتون بحصولها على 24% من نسبة الناخبين المحتملين. وكانت يوتاه قد شهدت أمراً مماثلاً في عام 1968، عندما فاز المرشح المستقل جورج والاس بالأصوات الشعبية. وعلى الرغم من أن هذا الأخير لم يكن يتوقع أن يفوز في الانتخابات، فإن استراتيجيته كانت تتضمن منع أيّ من مرشحي الحزبين الرئيسيين من الفوز بغالبية أصوات المجمع الانتخابي، وترك الأمر بعدها لمجلس النواب لاختيار الرئيس. ولكن حينها فاز الجمهوري ريتشارد نيكسون بغالبية 301 من الأصوات في المجمع الانتخابي العام، مقابل 191 صوتاً لمنافسه الديموقراطي هوبيرت هامفري و46 صوتاً لوالاس.
إضافة إلى هاتين الولايتين، تبرز الولايات المتأرجحة تاريخياً، ومنها فلوريدا (29 مندوباً)، حيث أشارت استطلاعات الرأي إلى أنها تتحوّل من ساحة معركة إلى ولاية داعمة للديموقراطيين، بتفضيل الناخبين المستقلّين لكلينتون. كذلك، فإن نيفادا (6 مندوبين) تشهد واقعاً مماثلا. والأمر ذاته يجري في كولورادو (11 مندوباً). أما في ولاية أوهايو، فنتائج الاستطلاعات أتت لمصلحة ترامب بفارق خمس نقاط، بينما فضّل غالبية المستطلعين في ميشيغان (16 مندوباً) وغيرهم في نيوهامشير (4 مندوبين)، ونورث كارولينا (15 مندوباً)، هيلاري كلينتون. الأمر نفسه يسري على بنسلفانيا (20 مندوباً) وفرجينيا (13 مندوباً) وويسكونسن (10 مندوبين)، حيث اختارت غالبية المستطلعين كلينتون. أما في ولاية أوهايو (18 مندوباً)، فالنتائج متقاربة، وهي تعطي 45% لكلا المرشحين.
وبالانتقال إلى الولايات الأساسية لكلا الحزبين، فيمكن تفصيلها كما يأتي:
*الولايات الجمهورية: ألاباما (9 مندوبين)، ألاسكا (3 مندوبين)، أركنساس (6 مندوبين)، آيداهو (6 مندويبن)، إنديانا (11)، كنساس (6)، كنتاكي (8)، لويزيانا (8)، ميسيسيبي (6)، ميسوري (10)، مونتانا (3)، نبراسكا (4)، نورث داكوتا (3)، أوكلاهوما (7)، ساوث كارولينا (9)، ساوث داكوتا (3)، تينيسي (11)، تيكساس (38)، ويست فيرجينيا (5)، وايومينغ (3)، إضافة إلى الولايات التي تميل إلى الجمهوريين: جورجيا (16 مندوباً)، آيوا (6 مندوبين).

*الولايات الديموقراطية: كاليفورنيا (55 مندوباً)، كونيتيكت (7 مندوبين)، ديلاور (3 مندوبين)، العاصمة واشنطن (3 مندوبين)، هاواي (4 مندوبين)، إيلينوي (20 مندوباً)، ماين (3 مندوبين)، ميريلاند (10 مندوبين)، ماساشوستس (11 مندوباً)، نيوجرسي (14 مندوباً)، نيويورك (29 مندوباً)، أوريغون (7 مندوبين)، رود آيلاند (4 مندوبين)، فيرمونت (3 مندوبين)، ولاية واشنطن (12 مندوباً)، مينيسوتا (10 مندوبين)، نيومكسيكو (5 مندويبن).