قبل أسبوع واحد فقط، كان كل شيء جاهزاً لإطلاق ماكينة إعادة ترشيح الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، لولاية جديدة. كان مفترضاً أن تجري الخطة، التي أُعدت بإحكام، على ثلاث خطوات. أولاها مقابلة مطولة مع مجلة L’OBS (صدرت قبل نحو عشرة أيام)، بالتزامن مع المناظرة الأولى بين مرشحي اليمين، في طبعة أُريد لها أن تكون تاريخية، وتصدرت غلافها صورة هولاند مرفقة بجملة واحدة: أنا مستعد! على أن تليها خطوة ثانية في صيغة مبادرة برلمانية أشرف على إعدادها رئيس الكتلة الاشتراكية في المجلس الوطني، برونو لورو، في صيغة نداء يحمل تواقيع أغلبية نواب اليسار، لمطالبة هولاند بإعلان ترشيحه لولاية ثانية، من أجل "قطع الطريق أمام الهجمة اليمنية المتشددة التي تجتاح البلاد". ويكتمل السيناريو بخطوة ثالثة أُوكلت إلى السيناتور، جوليان دراي، هدفها استقطاب نخبة من الفنانين والكتاب والمثقفين، بهدف تلقّف "النداء البرلماني"، ومنحه مزيداً من البريق والشرعية، عبر إعلان تأييدهم للمبادرة بوصفها مسعى إنقاذياً لتحصين اليسار من الاندثار.

لكن الأمور لم تجر وفق الخطة المرسومة، لأن طارئاً عاصفاً قلب الطاولة على مؤيدي هولاند. فقبل 24 ساعة من صدور مقابلته "التاريخية" في L’OBS، سرّبت صحيفة "لوباريزيان" مقاطع من كتاب ضخم (671 صفحة) من تأليف الصحافيين في "لوموند"، جيرار دافيه وفابريس لوم، المعروفين بقربهما من هولاند، حمل عنواناً أشبه بالنبوءة: لا يجدر بالرئيس أن يقول هذا!

لا أمل بتحسين
نظرة الفرنسيين إلى هولاند قبل الاستحقاق الرئاسي

طوال السنوات الخمس الماضية، سجّل الصحافيان أحاديثهما الدورية المطولة مع صديقهما الرئيس، بعلم هذا الأخير وموافقته. لكنهما قررا نشر مكاشفاته في هذا التوقيت الحرج، دون استشارته بشأن مضمون وتوقيت صدور الكتاب. تسببت هذه المكاشفات في فضيحة سياسية وأخلاقية مدوية، بسبب استهجان غالبية الفرنسيين للنبرة غير المعهودة التي تحدث بها هولاند في مواضيع شتى، واصفاً القضاة بـ"الجبناء"، والرأي العام بـ"الجموع الغبية"، ولاعبي المنتخب الفرنسي لكرة القدم بأنهم "بلا مخ"، وصولاً إلى الحزب الاشتراكي الذي "يجب التخلص منه، لتعويضه بحزب تقدمي"! لم يوفر الرئيس الفرنسي أحداً، حتى وزراءه ومستشاريه الأقربين: وزيرة التربية نجاة فالو بلقاسم "غير مثقفة"، ووزير العلاقات مع البرلمان جان ماري لوغوان "مشكوك في ذمته المالية"، ورئيس البرلمان كلود بارتلون "فاقد للأهلية ولا يستحق أن يكون رئيساً للحكومة"، ووزير الخارجية (رئيس الحكومة السابق) جان مارك إيرولت "يفتقد للكاريزما". أما القطرة التي أفاضت الكأس، فتمثلت في حديثه بشكل غير لائق عن خليلته (الجديدة) جولي غاييه، قائلاً إنه لن يتزوجها، بالرغم من أنها "تتمنى ذلك".
على الفور، تحوّل عنوان الكتاب "لا يجدر بالرئيس أن يقول هذا" شعاراً لحملة مدمرة يعتقد كثيرون أنها ستقضي نهائياً على حظوظ نزيل الإليزيه في التقدم لولاية رئاسية ثانية. على صعيد استطلاعات الرأي، كانت النتيجة كارثية، إذ قال 78 في المئة من الفرنسيين إنه من غير اللائق أن يتحدث رئيس جمهورية بمثل تلك "الخفة"، فيما قال 86 في المئة إنهم باتوا يعارضون ترشيح هولاند لولاية جديدة، بعدما نُقل ونُشر عن لسانه.
لكن هولاند لا يخشى كثيراً ردة فعل "الجموع الغبية". فشعبيته متدنية، أصلاً، واستقرت منذ أشهر طويلة تحت عتبة ال20ـ في المئة، ولا أمل في تحسين نظرة الفرنسيين إليه، قبل أقل من ستة أشهر على موعد الاستحقاق الرئاسي. المقربون من هولاند يقولون إنه يراهن للظفر بولاية رئاسية ثانية على ما يسميه باستراتيجية "جحر الفأرة"، آملاً أن يتم اختياره كمرشح لليسار في مواجهة شخصيات يمينية ويمينية متطرفة سيثير خطابها المتشدد مخاوف الفرنسيين، كي يظهر هو بمثابة المنقذ، على غرار جاك شيراك في انتخابات عام 2002، ليتمكن بذلك من العودة إلى الإليزيه، ولو من خلال "جحر الفأرة".
هذه الاستراتيجية مرهونة، أساساً، بحفاظ هولاند على تأييد الماكينة الانتخابية للحزب الاشتراكي، ليخرج منتصراً من الانتخابات التمهيدية بين مرشحي اليسار. لكن جبهة المؤيدين له تعرضت لشروخ فادحة، خلال الأسبوع الأخير، إذ تلقى انتقادات قاسية من قبل عدد ملفت من النواب والوزراء والمسؤولين الاشتراكيين. بداية برئيس البرلمان، كلود بارتلون، الذي قال إن هولاند "تجاوز الحدود"، ووزير العلاقات مع البرلمان، جان ماري لوغوان، الذي صرح لمجلة "لوبوان" بأن هولاند بات "عبئاً يجب التخلص منه"، وصولاً إلى المتحدث الرسمي باسم الحكومة، ستيفان لوفول، الذي قال "إن السؤال لم يعد يتعلق بمعرفة هل يريد هولاند الترشح لولاية ثانية، بل هل يستطيع أن يفعل ذلك؟". أما الأمين العام للحزب الاشتراكي، جان كريستوف كومباديليس، وهو الشخصية المفتاحية في إدارة التنافس بين مرشحي اليسار، فقط أطلق تحذيراً واضحاً، حين قال: "إذا أراد (هولاند) أن نساعده (لدفش) السيارة حتى تنطلق مجدداً، فإننا (في الحزب الاشتراكي) مستعدون لذلك. لكن، بشرط أن يثبت أنه قادر على أن يضخ الوقود اللازم في السيارة لتنطلق، وإلا فإنه لن يذهب بعيداً".
هكذا، لم يعد الهاجس الذي يشغل الحزب الاشتراكي متعلقاً بمدى قدرة هولاند على الظفر بولاية ثانية، بل أصبح السؤال: هل يجب إنقاذ الجندي هولاند؟ حتى أن الآية انعكست جذرياً تحت قبة البرلمان. فبدلاً من "النداء" الذي كان مزمعاً إطلاقه لمطالبة هولاند بالترشح، يحضّر عدد من نواب اليسار عريضة قالوا إنها ستكون أشبه بـ "وثيقة فانتينبلو"، في إشارة إلى العريضة التي تقّدم بها ماريشالات الإمبراطورية، عام 1814، لمطالبة نابليون بالتنحي.
حيال هذا الوضع، علّقت مجلة "لوبوان" بسخرية، قائلة: إن صاحب استراتيجية "جحر الفأرة" بات كـ"الجرذ الميت"!