«الجهاد والموت» هو عنوان الكتاب الأخير للمفكّر الفرنسي أوليفييه روا. في هذا العمل، يقوم روا بتحليل ظاهرة الإرهاب والهجمات الانتحارية ليؤكد أن هذا الخيار الذي تلجأ إليه فئة من الشباب الغربي ليس دينياً ولا سياسياً، بل هو في الأساس ثورة عدمية يلعب فيها الموت، في آن واحد، دور الغاية والوسيلة.

أوليفييه روا باحث، ومنهجية الباحث أن يبدأ أولاً بتعريف المصطلاحات التي يشتغل عليها. لذا يقوم روا بتذكير مهم عندما يضع ظاهرة الإرهاب والهجمات الانتحارية في إطارها التاريخي، مذكّراً مثلاً بأن أول من استعمل الحزام الناسف ليس أصحاب الفكر الجهادي، بل مقاتلو الحركة الانفصالية في سريلانكا «نمور التاميل» منذ الثمانينيات. أما في صفوف الجماعات الإسلامية، فيعود اللجوء إلى العمليات الانتحارية إلى سنة 1995 (خالد كلكال نموذجاً وموجة الهجمات في فرنسا التي تبنّتها الجماعة الإسلامية المسلحة). وهنا يطرح روا بطريقة غير مباشرة السؤال على كل من يجعل من الإرهاب عنصراً أساسياً في الفكر الإسلامي ــ لا سيما من بين سياسيي اليمين المتطرف: كيف لم يتجلّ الإرهاب إلا خلال العقدين الأخيرين رغم ظهور الإسلام منذ 15 قرناً، والحال أنه كما تدّعون عنصر أساسي في هذا الدين؟
دراسة هذه الظاهرة في إطارها التاريخي لا تعني بالنسبة إلى الكاتب تبرئة الإسلام من فكرة القتال، وهنا ينأى روا بنفسه عن خطاب آخر، ذلك الذي يقدم الإسلام كدين سلمي ينبذ العنف، وهو خطاب ينادي به حاملو رسالة «إسلام فرنسا» من «أئمة الجمهورية» الذين ينادون بـ«إسلام معتدل» ضد «إسلام راديكالي» ــ وكأن الإسلام حالة مرضية في الأساس لا تمثّل أعراضها خطورة ما دام المريض «معتدلاً» ــ، وكذلك عدد من مسلمي فرنسا الذين تمنّ عليهم وسائل الإعلام بمنبر. فيذكر روا أن مبدأ القتال موجود في الإسلام، لكن يقنّنه عدد من النصوص لتجعل منه أساساً حرب مقاومة في حال تعرضت أراضي المسلمين لاجتياح خارجي من غير المسلمين. وهو المنطق نفسه، وفقاً له، الذي نادت به حركات المقاومة ضد الاستعمار، فضلاً عن أن مقاتلي جبهة التحرير الجزائرية لُقّبوا بالـ«مجاهدين». التفاتة تاريخية تذكّر بأن لا ضير في أن يحمل فكر ما منطق القتال، ما دام لا يتعدى ذلك منطق «شرّ لا بد منه».

لا تبدو العدمية جديدة
على شباب أوروبا إذا عدنا
إلى أندريه مالرو

وهنا يأتي الفكر الجهادي ليخلق قطيعة مع هذه القراءة، ليصبح الجهاد هدفاً في حدّ ذاته، وليس وسيلة لبناء مجتمع جديد، وليختار من أجل ذلك طريقة يعاقب عليها الإسلام نظرياً، وهي الانتحار. اختار أوليفييه روا، تحديداً، أن يتطرق إلى بُعد معيّن لهذه الظاهرة، وهي استقطابها لشباب المجتمعات الأوروبية، إن كانوا من أبناء الهجرة ــ أو ما يعرف بالـ«جيل الثاني» ــ وهم الأغلبية، أو من الذين اعتنقوا الإسلام. هنا أيضاً، يتعارض تحليل روا للظاهرة مع الخطابات الرائجة في أغلب وسائل الإعلام الفرنسية ومع «المختصين» ــ جيل كيبيل نموذجاً ــ الذين يربطون هذا المنعرج في حياة الشباب بالبعد الديني السلفي، أي إنهم يجعلون من الإسلام السلفي ــ الذي يشترك بلا شك مع الفكر الداعشي في عدد من رؤاه ــ الدرج الأول الذي يحمل هؤلاء الشباب نحو الإرهاب. والحال أن ثقافة الجهاديين الأوروبيين الدينية لا تعدو أن تكون سطحية، خاصة أنهم لا يقرؤون اللغة العربية، بل إنهم في حياتهم لا يطبّقون إلا نادراً الشعائر الدينية. كذلك يفنّد روا فكرة المحرك السياسي أو التضامن مع القضايا التي تهمّ المجتمعات الإسلامية؛ فـ«داعش» غائب في الدفاع عن القضية الفلسطينية، بل يحارب حركتي حزب الله وحماس المعاديتين لإسرائيل، كذلك فإن قاتل أورلندو (في الولايات المتحدة) لم يفعل ذلك باسم «طالبان»، رغم كونه من أصل أفغاني، ولا الشقيقان تسارناياف اللذان قاما بعملية التفجير في ماراثون بوسطن هاجما المصالح الروسية، رغم كونهما من أصل شيشاني.
ما هو محرك هؤلاء الشباب إذن؟ إنه، وفقاً لروا، الثورة العدمية التي تضع الموت كهدف ووسيلة حتمية، فتشكّل قلب المشروع الجهادي. وهنا يبتعد روا عن الفكر الديني ليقوم بتصنيف الفكر الجهادي في سجل حركات تمرد أخرى عرفها القرن العشرين، خاصة منها حركات أقصى اليسار (كجماعة الجيش الأحمر التي ارتكبت عدداً من العمليات في ألمانيا السبعينيات) التي تختص بفكر عدمي تختزله عبارة No future أو «لا مستقبل» (التي ترفعها مجموعات البانك الموسيقية شعاراً)، وتختص كذلك بإرادة قوية في القطع مع الجيل السابق والتسابق نحو الموت كطريقة وحيدة للنجاة؛ أي إن روا يفنّد فكرة الراديكالية الإسلامية لفائدة أسلمة الراديكالية.
المثير للانتباه هنا هو أن هذه الأزمة الوجودية التي تعبّر عنها هذه الثورة العدمية ليست بالجديدة على أبناء أوروبا. ففي آخر عشرينيات القرن الماضي، انتبه الكاتب أندريه مالرو ــ الذي يوافق شهر تشرين الثاني الذكرى الأربعين لوفاته ــ إلى البعد العدمي الذي يحمله فكر الشباب الأوروبي آنذاك، من خلال عدد من نصوصه كمقال «عن الشباب الأوروبي» D’une jeunesse européenne. ويتساءل مالرو في آخر مقالته: «ما هو مصير هذا الشباب العنيف، الذي يحمل سلاحه ضد نفسه، والذي تحرر من كبرياء يجعله يسمي عظمة احتقاره لحياة لم يعد يعرف كيف يرتبط بها؟». بتعبير آخر، يتساءل مالرو عن مصير شباب الحضارة الأوروبية التي لم تعد تمنح إجابات شافية لجيل عدمي أعلن مع الفيلسوف نيتشه «موت الإله»، من دون أن يجد ما يعوّضه. وإذا اختار مالرو، المخلص لفلسفة نيتشه، سبيل الفن كقيمة ميتافيزيقية تلهي الإنسان عن عدمية الوجود، فقد التفت كذلك إلى الحضارات الآسيوية وإلى بعدها الروحي الذي قد يحمل جواباً شافياً لتعطش الشباب الأوروبي (وهي فكرة يتطرق إليها مالرو من خلال كتابه الأول «إغراء من الغرب» La Tentation de l’occident). وهنا يلتقي أدب مالرو بحجج أوليفييه روا الذي انتبه إلى كون هذه الثورة العدمية ذات صلة مع غياب الشعور الديني أو الثقافة الدينية عن المجتمعات الغربية، وخاصة منها الفرنكوفونية ــ أغلب إرهابيي داعش في صفوف المجتمعات الأوروبية يحملون الجنسيتين الفرنسية والبلجيكية. أي إنّ روا يطرح بطريقة غير مباشرة السؤال الآتي: إلى أي مدى تساهم، في فرنسا، السياسة العلمانية الراديكالية في نشأة جيل تكون الثورة العدمية مفرّه الوحيد؟
طبعاً، إنّ دراسة أوليفييه روا تخصّ المجتمعات الأوروبية؛ فالدوافع التي تلقي بالشباب العربي بين ذراعي «داعش» تختلف ولو نسبياً، وفيها بلا شك بعد أهم من الدوافع السياسية والطائفية والدينية والاقتصادية. لكن السؤال الذي لا يجيب عنه روا في كتابه هو: لمَ يلجأ هذا الشباب العدمي إلى الإسلام كإيديولوجيا لتحقيق ثورته؟ وهل يكفي بُعدها العالمي اليوم لتفسير ذلك؟
في جميع الأحوال، فإنّ خيار روا قد يكفي للمناداة بقراءة نقدية للفكر السلفي ولمن يروّج له ويموّله، كي لا يستعمل كأرضية تشرّع منهجاً قتالياً ما أنزل الله به من سلطان.