بعد السقوط المتتابع لمرشحي منصب رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة بفعل "صراع العروش" الذي دار داخل قيادة حزب المحافظين الحاكم غداة إعلان نتيجة استفتاء البريكست ــ غير المتوقعة ــ، حاولت تيريزا ماي منذ اليوم الأول لتوليها المنصب أن تلبس عباءة "المرأة الحديدية"، مارغريت تاتشر، كما كانت في قمة عنفوانها السلطوي في ثمانينيات القرن الماضي.

كان أول ما فعلته ماي أنها فرضت على طاقمها الوزاري قيوداً ــ غير معتادة ــ على الإدلاء بالتصريحات أو عمل المقابلات الصحافيّة. وبعد فترة قصيرة من الهدوء والتماسك (لم تستمر لأكثر من أسابيع قليلة، وحاولت خلالها ماي أن تظهر كأنها مسيطرة، وأنّ قدرها يحتّم عليها إدارة فريقها الوزاري والتعامل مع ملف تداعيات البريكست الاقتصاديّة والسياسيّة)، بدأت الصدوع تظهر إلى العلن، وتتصاعد الخلافات بين أعضاء الفريق الحاكم حول إدارة ملف البريكست تحديداً، في ظل تسريبات تكاد تكون يوميّة لمداولات يُفترض بها أن تكون محدودة التداول ضمن مجلس الوزراء حصراً. وهذه جملة معطيات لم تُشِر إلى الإخفاق في تقمص شخصية الرئيسة تاتشر فحسب، بل ربما إلى انفراط عقد الوزارة بالكليّة.

ينتقد كثر شروطاً تحمي المستثمرين الدوليين وتخالف رغبة الشعوب

يعتقد المراقبون في لندن أن الوزراء الذين يسربون نصوص مداولات المجلس إنما هم طامحون بشكل أو بآخر إلى القفز على المنصب التنفيذي الأهم في البلاد، مستفيدين من أجواء عدم التيقن في الأسواق المالية والعلاقات الشديدة الفتور بأوروبا، وكذلك من الشعبية المتزايدة لزعيم حزب العمال المعارض، جيريمي كوربن.
وقد تحدث قادة حزب المحافظين في البرلمان عن ضرورة أن تتولى ماي السيطرة على "هؤلاء المتمردين" قبل خروج الأمور عن السيطرة تماماً. ونُقل عن وزير يمسك حقيبة شديدة الأهمية ــ لم يرغب بأن يُسمى ــ قوله إن "الوقت ربما لم يفت بعد لكبح جماح بعض المشاغبين في قمرة القيادة، لكن ترك الأمور كما هي، سينتهي حتماً إلى الفوضى".
ويُعتقد على نطاق واسع أن "المتمردين" ليسوا بالضرورة من أنصار البريكست، فالثلاثة المعروفون بتطرفهم في دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: بوريس جونسون، ديفيد دايفس وليام فوكس، كانوا قد أُفهموا بضرورة التزام الصمت وعدم استباق تصريحات رئيسة الوزراء بكل ما يتعلق بملف البريكست، وهم أظهروا التزامهم بذلك حتى الآن. لكن الصفعة الأقوى، وُجهت إلى وزير الخزانة، فيليب هاموند، إذ اضطر مكتب رئيسة الوزراء إلى تنبيهه علناً في وقت سابق إلى أن موقفه بشأن إدراج الطلاب ضمن كوتات الهجرة لا يعكس بالضرورة موقف رئيسة الوزراء.
ويفسر البعض جرأة الوزراء الطامحين إلى الخروج عن الصف، وعلى رأسهم وزير الخزانة، بغياب الشرعيّة الانتخابيّة عن مجلس الوزراء الحالي. فتيريزا ماي تولت المنصب نتيجة فراغ في السلطة تسبب به (رئيس الوزراء المنتخب شعبياً)، ديفيد كاميرون، إثر استقالته من المنصب، وهي كانت نائبة في البرلمان عن مقاطعة صغيرة، وانتخبتها بالتالي نسبة تقل عن واحد في المئة من المواطنين البريطانيين.
وبرغم أن التقاليد المرعيّة في البلاد تسمح لحزب المحافظين الحاكم بالاحتفاظ بالحكم حتى موعد الانتخابات العامة المقبلة عام 2020، بالنظر إلى أغلبيته في مجلس العموم، فإن الضغوط تتزايد على ماي من جهات مختلفة لتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة تتولى ملف البريكست والاستحقاقات التي قد تترتب عليه. وقد تجاهلت تيريزا ماي هذه الضغوط حتى الآن، لكن الشقاق داخل مجلس الوزراء قد يعيد فتح باب النقاش حولها من جديد، ما قد يعني، بالضرورة، تزايد احتمالات إزاحة حزب المحافظين عن السلطة.
ولعلّ مأساة رئيسة الوزراء البريطانية تكمن في أنّ التحالف الأساسي بين الرئاسة ووزارة الخزانة، وهو اللازم تقليدياً للسيطرة على مجلس الوزراء، لا يبدو في أحسن حالاته. فعلى الرغم من العلاقة الشخصيّة الممتازة بين ماي وهاموند منذ أيام الدراسة في "جامعة أكسفورد"، فإنّ الأمور انتهت في مجلس الوزراء إلى خلافات متزايدة بشأن منهجية إدارة ملف البريكست. إذ بينما يبدو أن هاموند يميل إلى تلطيف الأجواء مع أوروبا لترتيب طلاق ودي، تظهر ماي حريصة على قطع مباشر وسريع. ويبدو أن الخلاف كان صاخباً بينهما داخل مجلس الوزراء، إلى درجة اضطر مكتب الرئيسة إلى إصدار تصريح بتجديد الثقة بالوزير هاموند.
ربما والأمر كذلك، فإنّ على رئيسة الوزراء أن تنظر عملياً في تنظيم انتخابات عامة إذا كانت تريد الاحتفاظ بالثقة الشعبيّة، ولربما عندئذ تعود بتكليف شعبي يضمن لها ممارسة "الحياة الحديدية"، كما كانت التاتشريّة الملهمة للمحافظين بعد كل تلك السنوات. أما استمرارها في القيادة، فيما يطلق طاقمها النار بعضه على بعض، فيعني بالضرورة أنّ السفينة لا بد أن تغرق بكل ما فيها في أول اختبار حقيقي (وهل هناك بحر عاصف أكثر من البريكست؟).