اعتقد كثير من المراقبين أن نتيجة الاستفتاء الشعبي البريطاني في ٢٣ حزيران الماضي (البريكست) ــ التي انتهت إلى أغلبية بسيطة لمصلحة قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي ــ ستتسبب لاحقاً بانفراط عقد الاتحاد، وأن شعوباً أوروبيّة أخرى ستحذو حذو المملكة المتحدة، وستحاول إعادة صياغة علاقتها ضمن ذلك التجمع السياسي ــ التجاري الأهم في العالم. لكن بعد مرور نحو أربعة أشهر، واتضاح بعض مفاصل علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، تبدو الأمور على النقيض من ذلك تماماً، إذ إن المزاج العام في القارّة العجوز يدفع إلى مزيد من التمسك بالمنظومة الأوروبية وبمؤسساتها، ولا سيما بين الدول الأصغر في الاتحاد.

واستبعد خبراء وأكاديميون، في مؤتمر عُقد في كوبنهاغن في وقت سابق من الشهر الجاري، تسبُّب الخروج البريطاني "بأيّ انهيارات تنتهي إلى مغادرة دول أخرى". وجادل معظم الحاضرين بأن السياسات الوطنيّة في أوروبا تتجه إلى مزيد من "الأورَبة" في ما يبدو.
وقد نُقل عن قادة أوروبيين حضروا المؤتمر، قولهم إنّ "قرار البريكست التراجيدي، والذي طالما خشينا من تبعاته، شدّ اللّحمة بين شعوب الاتحاد، ودفع إلى الأمام بالشعور بالانتماء إلى شيء أكبر من الوطنيات المحليّة الضيقة"، على الأقل في عدد من الدول المهمة من أعضاء الاتحاد. ولعلّ ما قد يدفع إلى الاعتقاد بصعوبة تصوّر حدوث أي مغادرات سريعة لجسم الاتحاد، يعود أساساً إلى حقيقة أن كثيراً من الدول الأعضاء تمتعت دائماً بترتيبات خاصة لعلاقتها بالاتحاد من حيث المبدأ، ما يشير إلى انتفاء الحاجة للمغادرة. فالدنمارك والسويد، مثلاً، أعضاء في الاتحاد، لكنهما لا تستعملان اليورو؛ النروج ليست عضواً في الاتحاد أصلاً، لكنها تدفع رسوماً ضخمة كي تكون جزءاً من النظام الاقتصادي الأوروبي. أما فنلندا، فهي عضو في الاتحاد وتستخدم اليورو، لكنها كما السويد تلتزم سياسة الحياد، ولا تنتمي إلى "حلف شمالي الأطلسي"، بينما الدنمارك والنروج عضوان أساسيان فيه.

يبدو التماسك الأوروبي
عقب الاستفتاء البريطاني
في أحسن حالاته

وفّرت هذه الترتيبات المتنوعة للأوروبيين مرونة جعلت من الاتحاد، إلى الآن، صيغة جد مقبولة من الجميع.
أيضاً، إن استجابة العملاق الألماني وشريكه الفرنسي ــ وهما عملياً أعمدة الاتحاد الأوروبي بعد خروج المملكة المتحدة المرتقب ــ شديدة الصرامة إزاء "الغنج" البريطاني المعهود، وجهت درساً قوياً إلى كل السياسيين الأوروبيين الآخرين بعدم التفكير حتى في طرح الموضوع للنقاش. وقد تحدث كل من المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي بوضوح عن أن موسم جني الفوائد والمميزات من الاتحاد دون الالتزام بشروطه، أصبح شيئاً من الماضي.
أحد الموظفين الكبار في الخارجية الدنماركيّة، أبلغ مؤتمر كوبنهاغن أن حكومته ترى أنّ التحديات التي ينبغي لأوروبا مواجهتها على المدى القصير متعددة ومستجدة، وتتمثل في جعل النتائج التي قد تترتب على "البريكست" بعيدة في المركز الخامس بعد كل من قضايا الهجرة، والإرهاب، والعلاقة مع روسيّا، وموضوع "داعش" في العراق وسوريا، ما يشير بالطبع إلى تجاوز القارة قطوع "البريكست"، وانصراف تركيزها إلى قضايا تتطلب مواجهتها تنسيقاً أوروبياً عالي المستوى.
وهكذا، فإن الموجة السائدة الآن بين الساسة الأوروبيين هي البحث عن نقاط القوة وقصص النجاح في الاتحاد الأوروبي، لا الكشف عن العيوب. لكن أهم الحوافز للتمسك بالاتحاد لا تزال اقتصاديّة محضة، أقله على المدى المتوسط.
دول جنوب أوروبا المفلسة ــ أو تلك التي هي في طريقها إلى الإفلاس ــ ليست في وارد التفكير في مغادرة الاتحاد بالنظر إلى استحالة قدرتها على إدارة ديونها المتراكمة من دون مساندة الاتحاد، وهي تعلم علم اليقين أن أي محاولة في هذا الاتجاه ستكون بمثابة انتحار سياسي واجتماعي لا أكثر، لا يجرؤ أي زعيم على دفع فاتورته. بينما في دول الشمال الغنيّة، فإن الهزات الماليّة والتضخم وانعدام التفاؤل بالمستقبل التي مست الأجواء الاقتصاديّة البريطانيّة منذ حزيران الماضي، أرسلت إشارات إلى جميع اللاعبين الكبار في القارة بأهميّة التمسك بالانتماء إلى الكتلة الاقتصاديّة الأكبر في مواجهة الركود العالمي ــ المستمر دون انقطاع تقريباً منذ ٢٠٠٨ ــ، وأيضاً في التعامل مع التكتلات الأخرى والاقتصادات الكبرى في العالم: الصين، الولايات المتحدة، اليابان، روسيا وكندا.
تمثّل هذه الأجواء بالطبع أخباراً ممتازة لكل من برلين وباريس، وكلتاهما تواجهان استحقاقات انتخابيّة مهمة خلال أشهر، ولا شك أنّ تماسك الاتحاد يخدم محاولات الأحزاب الحاكمة فيهما التجديد لفترات جديدة. بينما هي أخبار ليست بالحسنة أبداً للندن، التي كان لا بد من أن تشعر بقوة تفاوضيّة أفضل بكثير لو أن سُبحة الاتحاد الأوروبي كرّت، ولحق بها آخرون. لقد حدث العكس تماماً، فها هم الاسكتلنديون والإيرلنديون الشماليون يتحدثون يومياً عن اهتمامهم بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، ولو كانت البوابة لذلك الخروج من المملكة المتحدة نفسها.
إذاً، يبدو التماسك الأوروبي في أحسن حالاته، وأصبح الأوروبيون ــ بفضل "البريكست" بالذات ــ أكثر تمسكاً بهويتهم الجمعيّة التي يوفّرها الاتحاد، ولا عزاء لتيريزا ماي، التي تجلس وحيدة كعجوز منبوذة في ١٠ داوننيغ ستريت ــ المقر الباهت لرئاسة مجلس الوزراء البريطاني ــ، بانتظار انتهاء معاملات الطلاق، الذي سيكون دون شك مكلفاً للطبقة العاملة البريطانيّة نفسها بعدما صوّتت بتوجيه من سياسيين قصيري النظر على الخروج من الاتحاد ومن فكرة الروحيّة الأوروبية التي تتكرس واقعاً كل يوم.