لا يعني تشكيل الحكومة في إسبانيا، وبالتالي تجنب الأحزاب لدورة انتخابية ثالثة في أقل من عام، نهاية الأزمة السياسية التي وقعت فيها البلاد. فقد تظهر أزمة جديدة في الأشهر المقبلة إذا آثرت القوى السياسية في البرلمان عدم التعاون مع راخوي، خاصة عبر عرقلة إصدار بعض القوانين. وبرغم دخول قوى سياسية جديدة إلى البرلمان وتمكنها من كسر نظام الثنائية الحزبية، خصوصاً الحزب الناشئ عن الحركة المناهضة لإجراءات التقشف الأوروبية «بوديموس»، فإنّ عودة دفة الحكم إلى يد راخوي هي بمثابة العودة إلى النقطة الصفر.

وتمكن راخوي، في جلسة التصويت الثانية، من حصد أصوات 170 نائباً بدعم نوابه ونواب الحزب الصاعد «المواطنون»، مقابل 111 صوتاً معارضاً، وتمنّع 68 من نواب «الاشتراكي» عن التصويت، فيما رفض بعض من نوابه الانصياع لأوامر القيادة. وفي خطابه أمام مجلس النواب لإقناع المشرعين بالتوصيت له، قال راخوي إنه لا يطلب «شيكاً على بياض، ولا القمر، بل يطلب حكومة مستقرة»، من المنتظر أن تتشكل الخميس، 3 تشرين الثاني.
لكن هذا الاستقرار الذي يطلبه راخوي قد يستدعي تغييراً في أدائه السياسي الذي اتبعه منذ عام 2011. ووفق صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن راخوي لا يفضل «الحوار والمفاوضات، ولا التواصل...» وقد سهل فوزه بالأغلبية في عام 2011 اتباعه أسلوب الحكم «وحيداً» وإدارة ظهره للمعارضة. ومن الأمثلة على ذلك أن رئيس الحكومة لم يقبل، في خلال الأعوام الأربعة الماضية، طلب المعارضة بالعودة إلى البرلمان، سوى مرتين فقط. لن يتمكن راخوي إذاً، في عهده الجديد، من اتباع الأسلوب السياسي نفسه، خصوصاً في المواضيع التي تحتاج إلى موافقة أكثر من نصف الأعضاء. ومع أن إعادة انتخاب راخوي هو خبر سار بالنسبة إلى أوروبا، إذ إنه من المؤيدين لإجراءات التقشف الأوروبية، فإن أغلبيته البرلمانية الضعيفة قد تثير القلق في بروكسل. والتحدي الأول أمام راخوي هو قانون الموازنة العامة الذي يحتاج إلى أغلبية مطلقة في البرلمان، إذ منذ تسلّمها لمهماتها، على الحكومة الجديدة تحديث الموازنة من أجل تحقيق المطالب التي وضعتها المفوضية الأوروبية بوصول العجز إلى نسبة 3.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل، وإلا فستخضع مدريد لعقوبات من بروكسل. ولذلك، فإن راخوي المعتاد الحكم السهل، عليه هذه المرة أن يبذل مزيداً من الجهد لإقناع المعارضة.
لكن، حتى الآن، لا يوجد قوى معارضة موحدة. ورغم توعد ثاني أكبر أحزاب البرلمان، «العمال الاشتراكي الإسباني» بأنه سيكون قوة «جدية» بوجه اليمين، وتأكيده أن تمنّع نوابه عن التصويت لا يعني تشكيل «تحالف كبير» مع راخوي، لكن قدرته أن يكون قوة فعالة منخفضة مع الأزمة الداخلية التي يمر بها، وهي أزمة شبيهة بأزمات الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، ما قد يخفف من صدقيته التي انخفضت بعد سماحه لمنافسه بالحكم. وبعدما اقترب الاشتراكيون كثيراً من رئاسة الحكومة في كانون الأول، وُضعوا أخيراً أمام خطوة صعبة أدت إلى خلاف داخلي كبير، فقد صوتت لجنته الفدرالية، بداية الشهر، لمصلحة إقالة الأمين العام السابق للحزب، بيدرو سانشيز. ويمثل سانشيز التيار الرافض بشكل قاطع للسماح لراخوي بتسلّم الحكم من جديد. لكن التيار المقابل له والذي دفع بشدة نحو إقالته، يقوده فريق مقرب من رئيس الوزراء الأسبق، فيليب غونزالس، دافع عن موقفه بالتمنع عن التصويت قائلاً إن هذا «أفضل الشرين» لأن انتخابات ثالثة «تؤذي الديموقراطية» وتهدد «الحزب الاشتراكي» بمزيد من التراجع الانتخابي. أما الفريق الرافض لراخوي، فيقول إن «الاشتراكي» لا يمكنه أن «يكون صديقاً لأكثر الحكومات التي أضرت الديموقراطية في إسبانيا». وصرح بعض منهم بأن قرار التمنع الذي اتخذه زملاؤهم هو قرار «انتحاري». ويشرح الباحث السياسي، فيرناندو فالسبان، أن التحدي أمام الاشتراكي الآن هو«استعادة صدقيته وإعادة جمع صفوفه».
أما الحزب الصاعد، «بوديموس»، فقد شبه قائده، بابلو إغليسياس، نجاح راخوي بالحكم مرة أخرى بمحاولة الانقلاب التي حصلت عام 1981، واضعاً نفسه كقائد الأمر الواقع للمعارضة لأن «الحزب الاشتراكي»، وفق إغليسياس، غير مؤهل لهذا المركز بعدما «قدّم» السلطة لراخوي. وتابع أن «الديموقراطية لا تعني مشاركة رمزية لمركزي المعارضة والسلطة لحزبين يتشابهان إلى حد كبير»، متوجهاً إلى راخوي بالقول: «نحن لسنا مثلكم». ولطالما أصر إغليسياس، في أكثر من مناسبة، على تأكيد عدم تشابه حزبه مع الحزبين التقليديين في البلاد، فقد ناهض «بوديموس» بشدة، بعد الانتخابات البرلمانية الأولى، عقد تحالف مع «الحزب الاشتراكي» لتشكيل حكومة. «بوديموس» نفسه يعيش اختلافاً كبيراً في الآراء بين قائده إغليسياس، والرجل الثاني في الحزب، إينيغو إريخون. الأخير يفضل أن يكون «بوديموس» عنصراً فعالاً في البرلمان، فيما يريد إغليسياس أن يبقى الحزب حركة احتجاجية.
(الأخبار)