يعيد التوقيع نهاية الأسبوع الماضي، على اتفاقية التبادل الحرّ بين الاتحاد الأوروبي وكندا، فتح النقاش حول مستقبل أوروبا في ظلّ الأزمات المتراكمة، وإلى السؤال المتجدد حول إشكالية «الوطنية/ القومية» مقابل الانفتاح الاقتصادي/ الثقافي، الذي ترى تيارات كبرى في القارة العجوز اليوم أنه سبب رئيس في اشتعال أزمات تهدد استمرار «الاتحاد».

وإذا كان إقليم والونيا في بلجيكا، قد قدّم مثالاً على رفض قطاعات واسعة من المجتمعات الأوروبية المضي في سياسات الانفتاح الحرّ بلا لجام، من خلال تصويت برلمانه، في البداية، على رفض الاتفاقية مع كندا، بدت بروكسل مسرعةً إلى تقديم نموذج يوغل في «التسلّط» الذي يأتي على حساب أصوات المعارضين والمنتقدين، وهم كثر، وهذا ما أدى في نهاية الأمر إلى تبني الاتفاقية وإلى دفع بلجيكا وبرلمان والونيا إلى القبول.
ورأت صحيفة «ميديابار» الفرنسية، أنه بتوقيع معاهدة التبادل الحرّ مع كندا (CETA)، يصل الاتحاد الأوروبي إلى الطلاق التام مع المجتمع المدني، مستسلماً لـ«غواية السلطة»، إذ إن توقيع المعاهدة في أسرع وقت يأتي لبرهنة أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يمتلك سلطاته، مهما كان ما قاله المنتقدون في الأيام الأخيرة، ومن بينهم البرلمانات المحلية (مثل والونيا).

فتح توقيع المعاهدة مع كندا النقاش بشأن فكرة نهاية العولمة السعيدة

من جهة أخرى، ليس تعزيز النزعات السلطوية لدى بروكسل ما يبرز فقط مع توقيع المعاهدة، بل أيضاً «نهاية زمن العولمة السعيدة»، وهو ما طرحته الصحيفة انسجاماً مع ما يحذّر منه الرأي العام في أوروبا، ويجهد المسؤولون الأوروبيون لإنكاره.
ويرى الكاتب الفرنسي كريستان ريو، أنّ فكرة نهاية «العولمة السعيدة»، تستند إلى ما شهدته القارة أخيراً، «من أزمات اليورو، مروراً بقضية المهاجرين ووصولاً إلى البريكست والارهاب الاسلامي، أي العولمة المتوحّشة بكل أشكالها». ويتابع الكاتب في صحيفة «لو دوفوار»، أن الاتحاد الاوروبي لم يكن قط بجانب الحلّ، في تلك الأوقات: «منذ سنوات عدة، تعيد الشعوب الأوروبية، في أوقات الشدّة، اعتبار أن الملاذ الأخير ليس في بروكسل، بل في أوطانها الأصلية وداخل الحدود المحلّية».
ولعلّ ما أشارت إليه صحيفة «الاندبندنت» البريطانية يندرج ضمن الخانة نفسها، إذ رأت أن المعاهدة مع كندا هي بمثابة «قنبلة موقوتة». فمثل معاهدة الـ«TTIP» التجارية بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، ليست «TAFTA» (الشراكة التجارية الاستثمارية عبر الأطلسي)، أي مجرد اتفاقية لتخفيض التعريفات الجمركية فقط، بل هي ترمي إلى رفع القيود وتحرير التجارة، والتعامل مع المزيد من القوى من فوق القانون للوصول إلى «بيزنس» أكبر.
وضمن هذا المشهد، يبقى المسؤولون في مكانٍ آخر، ويضعون كل تلك الرؤى في خانة النزعات القومية والشعبوية. ووفق «ميديا بار»، هم يستميتون في الدفاع عن شرعيتهم، ولم يعد لديهم سوى هاجس وحيد: فعل كل شيء حتى لا تدخل حبّة رمل في الآلة الأوروبية، فتوقفها. لهذا الغرض، يطالب المحافظون في الاتحاد، تغيير أنماط التفاوض في المعاهدات التجارية، فيوكَلُ الأمر إلى البرلمان والمفوضية الأوروبيين، من دون أن تتمكن الدول من أن تقول كلمتها في مسار التفاوض.
وبينما تتابع الصحيفة الفرنسية بالقول إن «غواية السلطة» ظاهرة بقوة لدى المسؤولين الأوروبيين، تشدد «الاندبندنت» على أنه يجب تغيير السياسة التجارية الحالية للاتحاد الاوروبي. على الأقل، يجب إخضاع الاتفاقيات لالتزامات بيئية وحقوقية، كما يجب تقييم إلى أي مدى تؤدي هذه الاتفاقيات إلى اهداف اجتماعية، مثل المساواة وتحسين معايير المعيشة للفئات الأكثر فقراً، «في مواجهة عقيدة اقتصادية خاصة بالنخبة الدولية».
وقد شهدت مناطق واسعة في أوروبا تظاهرات ضد هذه الاتفاقية وضد اتفاقيات شبيهة. ففي ألمانيا وحدها، تظاهر أكثر من 300 ألف شخص في كل البلد لإعلان رفض المعاهدة، فيما لاقت المعارضة البلجيكية صدىً ودعماً غير منتظرين في أنحاء أوروبا، وهي لم تعد تتقيّد بـ«العولمة السعيدة» الممدوحة منذ عشرين عاماً، كما تقول «ميديابار».
تختم الصحيفة الفرنسية تقريرها بالقول إن بإمكان المفوضية والمجلس الأوروبيين المضي في اتخاذ قرارات بالقوة، وبعكس إرداة الرأي العام في أوروبا، ويمكنهم كذلك تجاهل المعارضة ورفض المجتمع المدني، مثلما فعلوا خلال الاستفتاءات الايرلندية والفرنسية والهولندية، لكن «خيبة الأمل تجاه أوروبا ستكون أكبر هذه المرة... فبرفض كل نقاش وتسوية، يتخذ المسؤولون مخاطرة تسريع تفكك الاتحاد الأوروبي. بلا أي رجعة ممكنة».
(الأخبار)

انسرت
فتح توقيع المعاهدة مع كندا النقاش بشأن فكرة نهاية العولمة السعيدة