رغم أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يسيطر على أكثر من ٩٠٪‏ من الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، فإنه لم يعد يتحمل ما تبقى من المعارضة الإعلامية، ولو بالحد الأدنى من إمكاناتها الضعيفة. وأمس، تعرضت صحيفة «جمهورييات» لحملة من الاعتقالات التي استهدفت معظم مسؤوليها وكتابها، بينهم رئيس التحرير، في الوقت الذي تتحدث فيه المعلومات عن احتمالات مصادرة ممتلكاتها بحجة التعاون مع الرجل المخيف لأردوغان، فتح الله غولن، من جهة، و«حزب العمال الكردستاني» من جهة أخرى، رغم أن المتابعين للملف التركي يعرفون أن هذه الصحيفة يسارية وضد غولن و«العمال الكردستاني».

وكانت «جمهورييات»، وهي من أقدم الصحف التي صدرت بعد أشهر من إعلان الجمهورية التركية عام ١٩٢٣، قد تعرضت لتهديدات ومضايقات من السلطات الحكومية، كما اعتُقل رئيس تحريرها جان دوندار العام الماضي، بحجة أنه نشر أسرار الدولة، في إشارة إلى صور الشاحنات التي كانت تنقل الأسلحة والمعدات الحربية للجماعات المسلحة والإرهابية في سوريا بداية ٢٠١٤.
كذلك، كان أردوغان قد هدد وتوعد الجريدة، بالقول إنه سيلاحقها وسيحاسبها على هذه «الخيانة الوطنية والعمالة والتجسس». منذ ذلك الوقت، تتعرض الصحيفة لمضايقات متنوعة، منها تهديد كل الذين ينشرون إعلاناتهم التجارية فيها، وذلك لتضييق الحصار عليها ماليا، فضلا عن إرسال المفتشين الماليين للتدقيق في أوراق ووثائق «جمهورييات» وسجلها الضرائبي، وهو حال جميع وسائل الإعلام المعارضة من الصحف والتلفزيونات مع أنه لم يتبقّ منها إلا عدد قليل.

لا يسمع أو يقرأ
أو يشاهد المواطن التركي أي خبر
مخالف لأردوغان

وحالياً، لا تحصل الصحف اليسارية الصغيرة على أي إعلانات تجارية خلافا للصحف الموالية التي تحصل على المليارات من الليرات من إعلانات الشركات الخاصة والمؤسسات والمصارف الحكومية، بجانب أن الأولى لا تبيع إلا أعدادا بسيطة. وفي غضون ذلك، رضخ رجال الأعمال الكبار، الذين يملكون مؤسسات إعلامية كبيرة كمؤسسة «دوغوش» ومؤسسة «دوغان» لتهديدات الحكومة، ما اضطرهم إلى الانتقال من خندق المعارضة إلى الولاء، وذلك مقابل مشاريع ومقاولات حصلوا عليها من الدولة. كما استسلم إعلاميون كثيرون للضغوط المالية والسياسية والأمنية، واضطروا إلى الرضوخ وتحولوا إلى موالين لأردوغان.
ودون أن يبالي أحد بالاعتقالات التي استهدفت الإعلاميين من مختلف الميول والاتجاهات، تزداد حالات الحبس بحقهم إلى أن وصل عددهم حتى الآن إلى ١١٧ معظمهم محسوبون على اليسار أو الأكراد، وبعضهم من أنصار غولن.
فعلياً، نجح الرئيس التركي في استغلال محاولة الانقلاب الأخيرة للتخلص من جميع معارضيه في مجالات عدة منها الإعلام، وبذلك لا يسمع أو يقرأ أو يشاهد المواطن التركي أي خبر مخالف لوجهة نظر أردوغان، الذي يستعد لطرح فكرة تغيير الدستور على الاستفتاء الشعبي في نيسان المقبل.
أيضاً، تضطر جميع وسائل الإعلام إلى بث خطابات الرئيس على الهواء مباشرة، وكذلك الحال مع رئيس الوزراء وبقية أعضاء حكومته، كما من الممنوع على التلفزيونات بث خطابات زعماء المعارضة، وفي مقدمتهم زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، كمال كليتشدار أوغلو. وهو يتعرض وحزبه لانتقادات عنيفة من الأوساط الشعبية التي تتهمه بعدم التحرك والتصدي لسياسات أردوغان، التي يصفها كليتشدار أوغلو بأنها اكتسبت طابعا فاشيا، بل يكتفي بالتصريحات فقط.
يشار إلى أن أردوغان استغل حالة الطوارئ المعلنة في البلاد منذ محاولة الانقلاب، فربط رئيس الأركان بالقصر الجمهوري مباشرة، وقادة القوات البرية والجوية والبحرية بوزير الدفاع، وقائد قوات الدرك بوزير الداخلية، كما ألغى انتخابات الجامعات وقرر تعيين رؤساء الجامعات الحكومية والخاصة.
في الوقت نفسه، تنقل مصادر أن الدستور الجديد سيمنح الرئيس مطلق الصلاحيات في جميع الأمور، بما فيها تعيين كل المسؤولين في الدولة مثل القضاة ووكلاء النيابة والولاة ومديري الأمن، وذلك بعد سيطرة فعلية لأردوغان حالياً على الجيش والقضاء والأمن والاستخبارات وقطاع الإعلام والاقتصاد والمال.
في سياق متصل، تستمر المضايقات التي تستهدف قيادات «حزب الشعوب الديموقراطي» بحجة تعاونه مع «العمال الكردستاني». فبعد اعتقال رئيسة بلدية مدينة دياربكر، جولتان كيشاناك، ونائبها وإحدى أعضاء البرلمان السابقات، تتوقع المصادر نفسها اعتقالات ستستهدف بعض أعضاء البرلمان عن الحزب المذكور، بمن فيهم زعيمه، صلاح الدين دميرتاش. ولا تخفي الأوساط السياسية قلقها من الانعكاسات المُحتملة لسياسات الحكومة الحالية ضد الأكراد، فيما تتوقع أن تفجر الوضع الأمني في البلاد في ظل أحاديث عن حرب أهلية محتملة في جنوب شرق البلاد، حيث الاشتباكات العنيفة المستمرة بين عناصر «الكردستاني» وقوات الأمن والجيش، علما بأن الأخيرة اتخذت تدابير مشددة على الحدود مع العراق وسوريا في ظل التطورات المتلاحقة في البلدين.