يتخطى المشهد الانتخابي الأميركي أهميته كحدث عالمي، إلى نقاشات داخلية انطلقت مع بدء الانتخابات التمهيدية، في شباط الماضي. كان التساؤل، حينها: هل يمكن أشخاصاً مثل دونالد ترامب وبيرني ساندرز إحراز تقدم في إطار مسعاهما الانتخابي؟ بدا الوقت كفيلاً بالإجابة عن هذا التساؤل، وأيضاً بإطلاق نقاش آخر عن السبب وراء صعود نجمي ترامب وساندرز. ومع خروج هذا الأخير من السباق الرئاسي، بجهود أساسية من قادة حزبه الديموقراطي، بات ترامب الهاجس الأكبر، الذي تُبنى عليه كافة التحليلات عن الانتخابات الحالية.

استوطنت لدى كثيرين فكرة مفادها أن هذه الانتخابات مختلفة عن سابقاتها، وراجت لدى آخرين نظرية عن أنها الأهم منذ زمن بعيد جداً، وذلك لأسباب كثيرة تنطلق من الاقتصاد وتصبّ في المجتمع، مروراً بالسياسة الداخلية والخارجية. وفي كل الحالات، شكلت حالة ترامب القاسم المشترك الذي لا يمكن تخطيه، أو المرور عليه من دون توقف، فهو الذي خالف كل التوقعات وأفشل كل الرهانات باستمرار حملته الانتخابية. ولكن الأهم أنه "الشعبوي" على حد تعبير المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما، و"الفريد من نوعه" على حد الوصف الساخر للمحلّل جورج فريدمان.
وفي اللغة السياسية الأميركية، يعد هذان التوصيفان استثنائيين ودخيلين، يستدعيان مراقبة ورصداً لمعرفة سبب استمرار الناخبين الأميركيين في تقبّل حاملهما. وهنا، لم يكن فوكوياما مضطراً إلى الذهاب أبعد من الوضع القائم، من أجل فهم الدافع وراء استحواذ "الشعبويين" على العملية الانتخابية، بشكل أو بآخر. في مقال من ثماني صفحات، نشره في مجلة "فورين أفيرز"، دخل في عمق الأسباب السياسية والاجتماعية الكثيرة التي قد تبعد الناخبين، والشعب الأميركي، عن الأحزاب الحاكمة، وتحوّلِهم نحو أشخاص مثل ترامب. فصّل فوكوياما تحيلله، وقسّم المسؤولية عمّا حصل، على الجمهوريين والديموقراطيين، فـ"مهما كانت المسألة ــ انطلاقاً من الهجرة إلى الإصلاح المالي والتجارة وجمود الدخل ــ انتفض عدد كبير من الناخبين الذين ينتمون إلى الجانبين، على ما يرونه فساداً، ومؤسسة منغلقة على نفسها، والتفتوا إلى الدخلاء المتطرّفين، على أمل التنقية والتطهير". بل إن الناخبين "انتزعوا السيطرة على الخطاب السياسي من جماعات المصالح المنظمة والأقلية التي تسيطر على مفاصل الإدارة".
من هنا، قدّم المفكر الأميركي قراءة في أسباب "تفضيل الناخب الأبيض لترامب"، مستنداً إلى دراساته حول المجتمع الأميركي. بالنسبة إليه، إنّ السؤال الحقيقي "ليس لماذا يوجد شعبويون في الولايات المتحدة في عام 2016، ولكن لماذا لم يظهروا سابقاً؟"، خصوصاً أن أياً من الحزبين لم يخدم "المجموعات المتراجعة" كما يجب.
فيما اعتبر فوكوياما أنّ "مداخيل الطبقة العاملة انخفضت خلال الجيل الماضي، خصوصاً بالنسبة إلى الناخب الأبيض"، فقد أشار إلى أنهم وجدوا في شعار ترامب "جعل أميركا عظيمة مجدداً"، معنى كبيراً يحاكي هواجسهم. لكن يبقى أنّ السؤال الأهم ربما: أين كان الحزبان خلال هذه الفترة؟

تأتي المسائل الاقتصادية على سلم أولويات الناخب الأميركي

يوضح المفكر الأميركي أن "الحزب الجمهوري شكل في خلال العقود الماضية، حلفاً من نخب رجال الأعمال والمحافظين الاجتماعيين. وكانت نخب رجال الأعمال، من دعاة مبادئ الليبرالية الاقتصادية". فضلاً عن ذلك، "كان لدى هؤلاء التزاماً إيديولوجياً بخفض الضرائب على الأميركيين الأغنياء، الأمر الذي هدّد سلطة الاتحادات العمالية، وقلّل من الخدمات الاجتماعية التي تساعد الأقل حظاً". ويسري الأمر ذاته على الجهة الأخرى، إذ "تبنّت نخب الحزب الديموقراطي إجماع ما بعد (الرئيس الأسبق رونالد) ريغان على فوائد التجارة الحرة والهجرة". ولكن المشكلة الأهم مع الديموقراطيين، بحسب فوكوياما، هي أن "الحزب تبنى سياسات الهوية على أنها قيمته الأساسية". وأشار في هذا المجال إلى أن هذا الحزب "فاز في الانتخابات (التمهيدية) من خلال حشد ائتلاف من الشرائح السكانية: النساء، الأميركيون من أصول أفريقية، سكان المدن، المثليون، والمدافعون عن البيئة. بينما فقدَ التواصل كاملاً مع مجموعة واحدة، هي الطبقة البيضاء العاملة".
مع ذلك، يرى فوكوياما أن ليس من الجيد "اصطياد الحلول الزائفة من قبل الشعبويين"، فيما بات على النخب أن تستنبط حلولاً للمشاكل التي لا يمكنها تجاهلها بعد الآن أو نفيها، على أن تكون قابلة للتحقيق. ولا يخرج المفكر الأميركي عن النص السياسي، عندما يقول إن "البلد بحاجة إلى قيادة قوية، ولكن من قبل مُصلح مؤسساتي يمكن أن يجعل الحكومة فاعلة حقاً، وليس من قبل شخصاني غوغائي يكون على استعداد لضرب عُرض الحائط بالقواعد ".
في مقابل ذلك، يقلّل المحلّل السياسي جورج فريدمان من أهمية هذه الانتخابات، من دون أن يلغي تميزها عن سابقاتها بسبب وجود ترامب. لكنه يلفت أيضاً إلى أن "كاتبي الدستور صمموا الرئاسة الأميركية لتكون واحدة من الأقل قوة بين دول العالم"، موضحاً أن على الرئيس "أن يقنع مجلس النواب والشيوخ، كي يتمكن من فعل أي شيء داخلياً، إضافة إلى أن عليه أن يبقي المحكمة العليا إلى جانبه، وأيضاً أن يحظى بتعاون 50 ولاية".
وانطلاقاً ممّا ذهب إليه فريدمان، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس المقبل يدخل إلى المكتب البيضاوي، وأمامه قضايا عدة لمعالجتها، ومواجهة الكونغرس لحلّها، هي: سياسة الرعاية الصحية، الأمن الاجتماعي، السياسة البيئية، فضلاً عن طابع المحكمة العليا التي ستخدم على مدى عقدين مقبلين تقريباً. والخلافات كثيرة بين الحزبين في ما يتعلق بهذه المسائل وغيرها. مثلاً، في مسألة الرعاية الصحية، لم تتوقف معارضة الجمهوريين للـ"أوباما كير" (على الرغم من مرور خمس سنوات على إقرارها). ويبقى من غير الواضح كيف ستعالج هذه المسألة تحت إدارة رئيس جمهوري، أو كيف سيتعاون رئيس ديموقراطي مع الجمهوريين لتجنّب إحداث تغييرات جوهرية فيها.
أما الهوة الكبرى بين الحزبين، فهي ستنعكس في كيفية تشكيل المحكمة العليا التي ستملك الكلمة الأخيرة في المسائل السياسية. وبحسب جوشوا غرين في موقع "بلومبرغ"، فإن أربعة من قضاة المحكمة سيبلغون الـ78 من العمر أو أكثر، في تشرين الثاني. لذا من الممكن أن يحظى خلف باراك أوباما بفرصة استبدال هؤلاء.
وبين كل هذه القضايا، يبقى الاقتصاد الشغل الشاغل بالنسبة إلى الجمهور الأميركي. وبحسب استطلاع صادر عن "مركز بيو"، في شهر تموز، أي خلال الانتخابات التميهيدية، رأى 84% من الناخبين أن الاقتصاد "مهم جداً" للحصول على صوتهم، بينما حلّ "الإرهاب" في المرتبة الثانية بنسبة 80%، متقدماً على السياسة الخارجية التي حصلت على 75% من الأصوات المستطلعة.