فيما عدّ انتصاراً حاسماً للديموقراطيّة البرلمانيّة في بريطانيا، أصدرت المحكمة العليا حكماً ضد الحكومة يَفرض على السلطات التنفيذيّة أخذ موافقة البرلمان بشأن إطلاق مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي وفق المادة ٥٠ من معاهدة لشبونة. وكان الحكم بمثابة أقوى لطمة تتلقاها حكومة تيريزا ماي، التي تشكلت عقب استقالة حكومة ديفيد كاميرون إثر نتائج الاستفتاء العام الذي صوّتت فيه غالبية بسيطة من البريطانيين على مغادرة الاتحاد الأوروبي. وكانت ماي قد أبدت تصلباً في إدارتها لملف البريكست، وأعلنت أنها ستطلق المفاوضات مع الاتحاد في آذار المقبل من دون استشارة البرلمان.
فرضت المحكمة على الحكومة أخذ موافقة البرلمان بشأن البريكست

وعلى الرّغم من أن استعادة السلطة من بروكسل إلى "برلمان وسيتمنستر"، كانت من أهم نقاط الجدل التي طرحها دعاة الخروج من الاتحاد، فإنهم أبعد ما يكونون اليوم عن السرور بحكم المحكمة العليا الذي ثبّت البرلمان كمرجعيّة عليا في البلاد، وخاصة أن مجلس العموم تغلب عليه القوى الداعية إلى البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، أو أقله تنفيذ "بريكست" مخفف يتم من خلاله الاحتفاظ بروابط قوية مع الاتحاد.
ولا بد أن تكون تيريزا ماي من أكثر الممتعضين إزاء القرار القضائي، إذ إن سياساتها بالانحياز إلى الكتلة الشعبيّة التي صوتت للبريكست، وموقفها المتظاهر بالتماسك في مواجهة الاتحاد الأوروبي وإهمالها لرغبات اسكتلندا وإيرلندا الشماليّة في البقاء ضمن عضوية الاتحاد، ستواجه كلها الآن بتحديات أكبر، وستزداد الضغوط عليها من جديد لتنظيم انتخابات عامة مبكرة بهدف تشكيل حكومة تتمتع بتفويض شعبي لإدارة العلاقة بالاتحاد.
وقد أعلنت الحكومة فور صدور الحكم عزمها على تقديم التماس للسلطة القضائية الأعلى في البلاد لاستئناف القرار، لكن الخبراء القانونيين في لندن استبعدوا إلغاءه، ما سيمثّل صفعة إضافيّة لحكومة حزب المحافظين.
ويترك الحكم ــ بشكله الحالي ــ الباب مفتوحاً للتكهنات بشأن السيناريوات المحتملة عن مستقبل البريكست، فيما لم يقدّم أي إشارات محددة للحكومة حول كيفية إدارة الأمر تالياً، ولذا فإن الغموض هو "سيّد الموقف" في لندن، ولا سيما في مملكة يقوم دستورها على العرف ولا نصوص مكتوبة له.
السير كير ستارمر، وهو وزير الظل المكلّف بملف البريكست في المعارضة، بدد الشكوك في أن "حزب العمال" قد يقود الجهود المضادة للساعين إلى خروج بريطانيا من الاتحاد، معتبراً أن الحكم سيمنع تفرد الحكومة باتخاذ القرارات بشأن تنفيذ البريكست فحسب. وقد ذهب كثرٌ معه في هذا الاتجاه، واعتبروا أن دور البرلمان سيكون مقتصراً على الموافقة على الاستراتيجيّة التفاوضيّة للحكومة مع الاتحاد وعلى زمان إطلاق المفاوضات.
لكن أطرافاً أخرى رأت أن الحكم فرصة ذهبيّة لإعادة النظر بالمشروع برمته بالاستفادة من غلبة أنصار البقاء على البرلمان (نصف نواب الحزب الحاكم، ومعظم نواب المعارضة والأحزاب الصغرى الأخرى في مجلس العموم)، وإن كان موقف مجلس اللوردات غير محسوم في أي اتجاه. وضاعفت شركات الرّهانات في لندن من توقعاتها لفرص تنفيذ استفتاء ثان على مسألة العضوية في الاتحاد، وذلك للمرة الأولى منذ عدة أسابيع.
وقد تعرضت المحكمة العليا لهجومات غير مسبوقة في التاريخ البريطاني من قبل بعض زعماء معسكر الخروج من الاتحاد، إذ نظروا إلى القرار على أنه انتصار للنخبة في مدينة الأعمال في لندن، ومتخرجي الجامعات المرموقة على حساب البريطانيين العاديين.
وفي اسكتلندا، لم تستبعد الوزيرة الأولى، نيكولا ستورجين، أن تشارك حكومتها بشكل فاعل في الجهود التحضيريّة تجهيزاً للجولة المقبلة من الصراع القانوني. ورأت أنّ الحكم شديد الأهميّة "ويكشف عن الفوضى التامة، وحالة الارتباك في قلب حكومة المملكة المتحدة في ما يتعلق بإدارة موضوع (البريكست)". كما رحب أكبر أحزاب المعارضة في إيرلندا الشمالية بالحكم، واعتبر سياسة حكومة ماي في إدارة "البريكست" شديدة الخطورة، لا على المملكة المتحدة فحسب بل على إيرلندا كلها.