شهد مسار الحملة التمهيدية لانتخابات الرئاسة الفرنسية، هذا الأسبوع، منعطفاً لم يكن متوقعاً، إذ حملت استطلاعات الرأي خبراً ساراً لقوى اليسار، يعدّ الأول من نوعه، بعد أشهر طويلة من التشاؤم والخيبات المتتالية. جاء ذلك بعدما حقق رئيس "جبهة اليسار"، جان لوك ميلانشون، اختراقاً ملفتاً من شأنه أن يضعه في موقع مركزي في السباق نحو الإليزيه.

بحسب آخر الاستطلاعات، فإن 15,5 في المئة من الناخبين الفرنسيين قالوا إنهم يعتزمون التصويت له في الدورة الاولى من انتخابات الرئاسة، علماً بأن أيّ مرشح يجتاز عتبة الـ18 في المئة في الجولة الأولى من النزال الرئاسي، يضمن عادة المرور إلى الدورة الثانية من الانتخابات، ما يعني أن ميلانشون لم يعد يفصله سوى نقطتين ونصف نقطة، فقط، لتحقيق حلم اليسار في تجاوز مهانة الإقصاء من الدورة الأولى.

بدأت موجة تأييد جان لوك ميلانشون كردّ فعل يائس

حتى منتصف الشهر الماضي، كانت كل الاستطلاعات تشير إلى أن مرشحي اليسار، أياً كانت خلفياتهم وتوجهاتهم، سيخرجون خائبين منذ الدورة الأولى من الاستحقاق الرئاسي، ليجري السباق في الجولة الثانية بين اليمين التقيلدي واليمين المتطرف. لكن جان لوك ميلانشون شرع في العودة تدريجاً الى الواجهة، ليصبح حالياً المرشح اليساري الأكثر شعبية والأكثر قدرة على التصدي لتطلعات اليمين إلى استعادة الحكم.
يفسر المحللون هذه العودة القوية التي حققها زعيم "جبهة اليسار" بأنه كان المستفيد الأول من "خيبات" الرئيس فرانسوا هولاند، التي جعلت شعبيته تتدنى إلى أقل من 4 في المئة، إثر الفضيحة التي فجّرها كتاب "لا يجدر بالرئيس أن يقول ذلك"، قبل ثلاثة أسابيع. تخبّط هولاند والشكوك المتزايدة في قدرته أو حتى رغبته في الترشيح لولاية رئاسية جديدة، أفرزت تجاذبات وانقسامات حادة في "المعسكر الهولاندي"، وجعلت عدداً من أركان الحكم الاشتراكي يلوّحون بترشيح أنفسهم، في حال امتنع هولاند عن خوض المنافسة الرئاسية مجدداً. لكن جميع هؤلاء، من رئيس الحكومة مانويل فالس، الى وزيرة البيئة سيغولون روايال، مروراً بوزير الاقتصاد المستقيل مانويل ماكرون، يصنّفون على يمين هولاند، وينتمون إلى ما يسمى في فرنسا "يسار الإدارة"، أي "اليسار الرخو" الذي يكتفي بإدارة وتصريف شؤون الحكم، من دون الإقدام على أيّ إصلاحات أو تحولات جذرية، الأمر الذي أفرز لدى ناخبي اليسار "ردّ فعل غريزياً" تمثّل في الالتفات نحو زعيم "جبهة اليسار"، بوصفه وريث "اليسار الإصلاحي"، الذي سبق أن فاز بالحكم مرتين: من خلال "الجبهة الشعبية" عام 1936، ثم عبر "البرنامج المشترك" بين الحزبين الشيوعي والاشتراكي، الذي أوصل فرانسوا ميتران الى الإليزيه عام 1981.
لا شك في أنّ التفاف ناخبي اليسار حول ميلانشون لم يكن دافعه، في البداية، الطموح إلى تحقيق النصر أو حتى المرور الى الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة. فقبل ثلاثة أسابيع فقط، كانت شعبيته أقل من 10 في المئة، وكان أكثر ما يتردد في استطلاعات الرأي أن "شعب اليسار"، كما كان يسميه ميتران، يرى فيه الشخصية المخوّلة أكثر لتجسيد قيم اليسار ومبادئه المرجعية.
في سياق التشاؤم الذي أطبق على الحملة الانتخابية منذ أشهر، والذي لم يكن يمنح لقوى اليسار أي فرص فعلية في المنافسة بشكل جدي، تولّد لدى ناخبي اليسار اقتناع مفاده أنه حتى لو كان الاستحقاق الرئاسي يتجه نحو فوز حتمي لليمين، فلا بد من أن يكون لليسار "مرشح رمزي" يمتلك القدرة على المرافعة باسمه والدفاع عن قيمه، بدلاً من المرشحين النيوليبراليين الذين خرجوا من معطف هولاند.
بدأت موجة تأييد ميلانشون، إذاً، كردّ فعل يائس، مثلها مثل ظاهرة توجه قطاع واسع من ناخبي اليسار لخوض معترك الانتخابات التمهيدية اليمينية، بهدف صدّ الطريق أمام ساركوزي، وترجيح كفّة آلان جوبيه، بوصفه "المرشح اليميني الأكثر توافقاً مع قيم اليسار". لكن اقتراب ميلانشون من عتبة الـ18 المئة، أعاد الأمل إلى معسكر اليسار بأن يكون له مرشح قادر فعلياً على خوض المنافسة في انتخابات الرئاسة بدورتيها. ولمَ لا يحقق الفوز؟ خاصة إذا وجد نفسه، خلال الجولة الثانية، في مواجهة مرشحة اليمين المتطرف.