في تطور خطير منذ بدء الحكومة التركية عمليات توقيف واعتقال واسعة في البلاد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز، وضع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم «نهاية للديموقراطية» في تركيا، مع اعتقال السلطات لرئيسي حزب «الشعوب الديموقراطي»، صلاح الدين دميرطاش وفيغين يوكسيكداغ، إضافة إلى ثلاثة نواب عن الحزب، ووضعهم قيد الاحتجاز الاحتياطي، بقرار محكمة في ديار بكر، وذلك بعدما أوقفت، في وقت متأخر من مساء الأول من أمس، 12 نائباً عن الحزب المعارض، قبل أن تحيلهم على السلطات القضائية في إطار تحقيقات متعلقة بـ«مكافحة الإرهاب»، في خطوة تزيد من إحكام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لسيطرته على البرلمان.

وفي أول رد فعل له، أدان «الشعوب الديموقراطي» توقيف رئيسيه وعدد من نوابه، معتبراً أن ذلك يشكل «نهاية للديموقراطية» في البلاد. وقدم النواب المعتقلون دفاعاً مشتركاً قالوا فيه إن «الشعب الذي انتخبنا هو الوحيد الذي يحق له مساءلتنا عن أنشطتنا السياسية». من جهته، رفض دميرطاش في إفادته الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالتهم الموجهة إليه، ووفق بيان لممثل الادعاء نشرته النائبة عن حزب «الشعوب الديموقراطي» بسيمة كونجا، فإنه قال إنه لن يتردد في قبول «المحاسبة أمام سلطة قضائية عادلة ونزيهة. لا يوجد شيء لا يمكنني الإجابة عنه»، مضيفاً: «لكنني أرفض أن أكون ممثلاً في مسرح قضائي لمجرد أنه تلقى الأمر من أردوغان الذي يثير ماضيه السياسي الشكوك».
وقالت الصحافية والباحثة التركية نوراي ميرت، في حديث لـ«الأخبار» إن الوضع الحالي في تركيا «فظيع» وإن ما حصل «كارثة»، متابعة أن ما قامت به الحكومة التركية يقطع الطريق أمام المفاوضات من أجل عملية السلام مع «العمال الكردستاني» وسيخلق المزيد من «التوتر والصراع والمأساة»، خصوصاً أن «العدالة والتنمية» يتمتع بالأغلبية وبدعم أحزاب المعارضة في البرلمان.
أما الحكومة التركية، فترى أن على نواب «الشعوب الديموقراطي» أن «يدفعوا ثمن إسهامهم بالإرهاب»، وفق رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، الذي تابع بأن «السياسة لا يمكن أن تكون درعاً لارتكاب الجرائم»، مضيفاً أنه كان على نواب حزب «الشعوب الديموقراطي» الإدلاء بإفادتهم سابقاً عندما طلبت منهم السلطات ذلك. من جهته، انتقد وزير العدل باكير بوزداغ، نواب «الشعوب الديموقراطي» لأنهم لم يدلوا بإفادتهم سابقاً، قائلاً إن ذلك «لم يترك لنا وسيلة أخرى».

اعتقال دميرطاش ويوكسيكداغ و15 نائباً عن الحزب

وفتحت السلطات التركية تحقيقات عديدة بحق دميرطاش ويوكسكداغ بشبهات تتعلق بالارتباط بحزب «العمال الكردستاني». ويرى أردوغان أن حزب «الشعوب الديموقراطي» على علاقة وثيقة بـ«العمال»، واصفاً أعضاءه بأنهم «إرهابيون». وبعد تمكن «الشعوب الديموقراطي» من الدخول إلى البرلمان في حزيران 2015، في سابقة أسهمت في حرمان حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الأغلبية المطلقة، أصبح دميرطاش العدو اللدود لأردوغان الذي ضاعف هجماته الشخصية عليه. كذلك، فإن «الشعوب الديموقراطي» هو ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان بـ 59 مقعداً من 550 مقعداً. وعادة ما يتمتع أعضاء البرلمان في تركيا بالحصانة من الملاحقة القضائية، لكن الحصانة رفعت عن الحزب في وقت سابق هذا العام.
وأُوقف دميرطاش في منزله، مساء الأول من أمس، بسبب التحقيقات المتعلقة بأحداث الشغب بتاريخ 6 و7 و8 تشرين الأول 2014، واجتماع «مؤتمر المجتمع الديموقراطي». وخلال الاجتماع الأخير، الذي عقد في مدينة ديار بكر في شهر كانون الأول عام 2015، تحدث نواب من «الشعوب الديموقراطي» عن الحكم الذاتي والإدارة الذاتية، وفتحت النيابة العامة في ديار بكر بعدها تحقيقاً في تلك التصريحات، وخصوصاً الصادرة عن دميرطاش.
ومن التهم التي تتضمنها ملفات التحقيق بحق الأخير، «تأسيس منظمة بهدف الجريمة» و«العضوية في منظمة إرهابية» و«إهانة الشعب التركي والجمهورية والبرلمان وجيش الدولة وتشكيلات الأمن» و«الإساءة إلى رئيس الجمهورية» و«تحريض الشعب على الكراهية والعداوة»، فضلاً عن تهم أخرى.
وتأتي الخطوة التي أدت إلى إدانة فورية من الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي أوقفت فيه تركيا عن العمل أو احتجزت أكثر من 110 آلاف مسؤول في أعقاب محاولة الانقلاب، بينما تدرس إعادة تطبيق حكم الإعدام، فضلاً عن إصدارها مذكرات توقيف بحق طاقم عمل صحيفة «جمهورييت» المعارضة، بداية الأسبوع الحالي. وعبّرت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، أمس، عن قلق الاتحاد «العميق» إثر توقيف النواب، مشيرةً إلى أنها على تواصل مع المسؤولين في أنقرة بهذا الشأن. وقد ينظر بعض حلفاء الحكومة التركية لعمليات التوقيف الأخيرة بأنها محاولة من الرئيس أردوغان، بالضلوع بمزيد من القوة قبل تصويت برلماني واستفتاء حول تحويل النظام من برلماني إلى رئاسي. وفي السياق نفسه، استدعت وزارة الخارجية الألمانية القائم بالأعمال التركي على إثر توقيف النواب. وأوضحت في بيان أن وزير الخارجية فرانك-فالتر شتاينماير، استدعى الدبلوماسي التركي إلى الوزارة، نظراً إلى «التطورات الأخيرة في تركيا».
وأشارت الوزارة إلى أن أحداً «لا يشكك في حق تركيا في الرد، في إطار احترام دولة القانون، على تهديد الإرهاب والمحاولة الانقلابية الدامية»، مؤكدةً في الوقت نفسه أن «هذه التهديدات يجب ألا تستخدم ذريعة لكمّ أفواه المعارضة أو زجها في السجن». أما واشنطن، فقد عبرت عن قلقها «الشديد»، حسبما قال المكلف حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأميركية توم مالينوفسكي، الذي كتب على «تويتر»: «عندما تهاجم الديموقراطيات مسؤولين منتخبين، من واجبها تبرير تصرفاتها والحفاظ على الثقة بالنظام القضائي».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)