قبل 23 عاماً، أنجزت الفنّانة الراحلة فاتن حمامة آخر أعمالها السينمائيّة. كان فيلماً بعنوان: "أرض الأحلام". تَفقد السيّدة المصريّة جواز سفرها، قبل ساعات مِن موعد "الهجرة" إلى أميركا، فتدخل في رحلة بحث عنه. تعود أدراجها إلى كلّ مكان مرّت به. فرصة العمر في خطر، إنّه السفر إلى أميركا، إلى "الحلم الأميركي"... فكلّ جهد الآن مُباح. أجيال في بلادنا كبرت على هذا الحلم. لا داعي للمكابرة. إنّها أميركا، أو أمريكا، على اختلاف ألسن "العالم الثالث" وآهاته. هكذا جرى تصوير تلك البلاد لنا، هكذا زُرِعت في وعينا، ذلك النموذج البشري الأعلى، كشيء أبعد مِن "أرض اللبن والعسل". هكذا "تثقّفنا" أميركيّاً، في أفلامنا، في أفلامهم "هم" مِن قبل ومِن بعد، وكم حفرت "هوليوود" في أحلامنا. لم يكن للبعض إلا أن يُصدّق. الكلّ، والتعميم مجازفة مشروعة هنا، الكلّ "أغرم" بها. حتى مَن نادوا لها بالموت، ولا يزالون، أصيبوا بلعنة الافتنان بها. الكلّ "مريض بأميركا". ليس غريباً على النفس أن تنجذب إلى قاتلها. كان يكفي لأحدنا أن يُشاهد ما تفعله أميركا في العالم، في لحظته، مِن غير أن يقرأ تاريخها، حتى يَعرف أنّها أعتى وحش عالمي في العصر الحديث. لكن مع ذلك، كانت تستمر "السرنمة" (المشي أثناء النوم) في بلادنا. إنّها أعظم قوة مغناطيسيّة، إذ هي أعظم قناع. إلى هذا الحد الرهيب يُمكن للإنسان أن يُبدع في طلسمة الأذهان.

ليس سهلاً أن تشرح ما هي، تلك القوّة، تلك الحالة، لكثيرين. ليس سهلاً، أكثر مِن الشرح، أن تُقنع المأخوذ ذهولاً، بغير ما يرى. أميركا مذهلة حقّاً. لا داعي للمكابرة مرّة أخرى. الموجوعون يتعلّقون بحبال الهواء. هي أوجعتهم، ومعها كلّ عدّتها مِن داخلنا، هذا صحيح، لكن تعال لتقنعهم. عبثاً تُحاول وقد أفلحت هالتها في "سرنمتهم". يَكتب المؤرّخ الأميركي جيمس آدامز، صاحب مصطلح الحلم، في ثلاثينيات القرن الماضي: "لم يُصبح الحلم الأمريكي، الذي جذب عشرات الملايين من الأمم إلى سواحلنا خلال القرن الماضي، حلم تحقيق الرخاء المادي فقط. لقد أصبح حلم القدرة على وصول الرجل والمرأة إلى أعلى درجة مِن التطور دون التقيد بالعوائق التي أقامتها الحضارات القديمة، أو الأوساط الاجتماعية التي ظهرت لمصلحة الطبقات، بدلاً من أن تكون لمصلحة الإنسان البسيط". شيء مِن قبيل "ما فوق المهزلة" أن تتحدّث عن "الطبقات" و"أميركا" و"الإنسان البسيط" في سطر واحد. دعنا مِن كل ما مضى. كتب التاريخ الحديث متاحة أمام الجميع لمَن، حقّاً، لا يزال لا يَعلم، والآن يُريد أن يَعلم.
المُهم الآن، دونالد ترامب! "الحلم الأميركي" وترامب! أيّ أيتام لهذا الحلم، ولو على الورق، ولو في الأحلام، ستحبل بهم أرحام الخيبة الآن؟ أيتام أميركا. الحلم وقد استحال كابوساً. أبعد مِن الدول، مِن الساسة، مِن الأنظمة، التي عاشت على "بركة" أميركا، أبعد يعني وصولاً إلى عقول مليارات البشر على ظهر الكوكب. مليارات "العاديين" مِن الناس. تمثال الحريّة الشهير، المطلّ على خليج نيويورك، الذي، كما حفظنا مِن الأفلام، كانت صيحات الفرح تنطلق مِن حناجر راكبي بواخر الهجرة لحظة رؤيته مِن بعيد... هذا التمثال، كما تقول الطرفة الآن، يُفكّر في أن يحزم حقائبه للانتقال إلى كندا، مثلاً. دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة!
أيتام أميركا، في النموذج الإنساني قبل السياسة، كأفراد قبل الجماعات، يَستحقون اليوم التعاطف معهم. أخذهم في الحضن، إن أمكن. كفكفة دموعهم الحبيسة. عن أيّ نموذج بعد اليوم سيتكلّمون؟ إنّه ترامب، إنّه الشعب الأميركي، أليست هذه هي الديموقراطيّة؟ ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم، هذه هي. ترامب المجنون، الملياردير اللعوب، العنصري، الذي يُريد طرد كلّ آخر مِن بلاده وسحقه، المتحرّش، الساخر مِن المعوّقين جسديّاً وأصحاب الحاجات الخاصة، المزوّر، الأبله، الشوارعي، السخيف... وتطول اللائحة. هذا أصبح رئيساً لـ"الإمبراطوريّة الأميركيّة". مَن لم يتعرّف إليه كفاية، فأمامه آلاف المقاطع المصوّرة. آلاف المقابلات والمقالات. عجّلوا وتعرّفوا إلى "قائد العالم". مجدّداً، ليست القضيّة فيه شخصيّاً، إنه "مصطفى" الشعب الأميركي، إنّه صفوة الصفوة بعد الغربلة. هذا الذي وصل. هذا فخر صناعة "الديموقراطيّة" على الطريقة الأميركيّة. هذا الجدل الذي سوف يُفتتح اليوم، مِن جانب الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة والإنسانيّات. أيتام "الحلم الأميركي" اليوم يجلّون عن الحصر. هل يكون ما حصل سبباً لدخول أفواج الحالمين دوامة مِن الإحباط والعبثيّة؟ إلى أين يسير العالم؟ في المقابل، يجوز أيضاً عدم المبالغة في الأمر، إنّها أميركا، أميركا يا عمّ، فلا تتحدّث عن سقوط وما شاكل. هذا صحيح أيضاً. إنّها أميركا. لكن، وعلى قاعدة أضعف الإيمان، فإن السقوط الأخلاقي قد حصل. لنقل إنه "ظهر" بوضوح أكثر. وبما أنّ أميركا قبلة العالم عند كثيرين، في الخير والشر، فإن ما حصل لن يبقى محصوراً في أميركا. العين اليوم على أوروبا. على "قيمها" و"إرثها الإنساني"... كما قال بعض قادة دولها، أمس، بُعيد إعلان فوز ترامب.
قبل مدّة، وصّف الفيلسوف الأميركي، تشومسكي، حالة ترامب بأنّها: "حصيلة مجتمع متداعٍ وماضٍ بقوة نحو الانهيار". قبل أكثر مِن سنة، وقبل ظهور نجم ترامب، كان تشومسكي خائفاً على كوكب الأرض عموماً. الرجل التسعيني، وفي مقابلة صحافيّة، قال: "هناك هاويتان، كارثة بيئية وشيكة، لم يعد لدينا الكثير من الوقت للحد منها. أما الثانية فتعود إلى سبعين عاماً، كان هناك خطر الحرب النووية، خطر لا يزال ينمو. إننا بقينا على قيد الحياة بمعجزة. الآن، نحن نُسرع إلى الهاوية، مصممون على السقوط في العدم".