بعد عقود من هيمنة نظام العولمة، جاء نجاح دونالد ترامب ليهدّد كلّ ما أنجزته الرأسمالية من مكتسبات في سبيل فرض إرادتها على مقدرات العالم. العولمة، التي عادت بالمنفعة على مئات الملايين من سكان الكوكب، مثلما حصل في دول النمور الآسيوية والأسواق الناشئة الناجحة ومنها الصين، مثلت كارثة على مناطق اقتصادية أخرى مثل الدول الأفريقية والآسيوية الوسطى وشرق أوروبا، وإلى حد كبير الدول العربية، بسبب انعدام التوازن واضمحلال العوائد في دنيا المنافسة وتحكم الأسواق بالأسعار، وبالأخص بأسعار المواد الأولية. «رجل الكاوبوي»، ربما يطلق رصاصة على قدمه كما يقول المثل الأميركي، ويقضى على النظام الذي منح الولايات المتحدة سيطرتها على الاقتصادات الدولية من المنبع إلى السوق.

ترامب يأتي من خلفية «إفعل كل ما يلزم للفوز». عبارة تتكرر في كل أفلام البطولات الهوليوودية حيث البطل يجتهد ليقيم العدالة، غالباً على حساب القانون وفي ازدراء للقضاء. الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب لا تقبل المعاملة على قدم المساواة مع الكتل التجارية الأخرى. هو رجل أعمال يؤمن بالشطارة والفهلوة، وحتى بالتلاعب والغش. اعتبر التهرّب من دفع الضرائب على مدى عقد كامل تقريباً، «ذكاء» وليس احتيالاً وجريمة.
ويظهر واقع الأمور أن الولايات المتحدة تطبّق قوانينها على أعتى الاقتصادات حتى قبل وصول ترامب هي تفرض سنوياً عشرات مليارات الدولارات من الغرامات على الدول والمصارف والشركات بأسلوب لا يسمح للكتل الأخرى بالمعاملة بالمثل. وهي أيضاً تستخدم احتكارها للمقاصة الدولارية لترعب أكبر الصروح المالية والحكومية وتركعها، حيث تفشل في السياسة أو الميدان العسكري بإقفال المسالك الدولارية في وجهها، كما حصل في الحصارات الأحادية التي فرضت على دول مثل إيران والعراق من قبلها، وقانون «جاستا» على السعودية. ولم تنجُ حتى الدول الحليفة من ممارساتها، وكان آخر مثال على ذلك غرامة الـ ١٤ مليار دولار على «دويتشه بنك» الألماني المهدّد بالإفلاس بسبب تعامله في سوق القروض العقارية الأميركية بالأسلوب الأميركي.
حتى إدارة الرئيس باراك أوباما والاحتياطي الاتحادي، تعاملت مع الأزمات المصرفية بمعايير مزدوجة. تركت مؤسسة «ليمان براذرز» تواجه الانهيار، من دون مساندة لأن معظم الأرصدة فيها أتت من مستثمرين أجانب بينهم الكثير من العرب والآسيويين. بينما تعاملت مع عدد كبير من البنوك الأميركية بليونة غير رأسمالية مألوفة على قاعدة أن «سيتي بنك»، و«تشيس» مثلاً «أكبر من أن ينهارا»، وهو قدم للعديد من تلك البنوك المال مجاناً وبمئات مليارات الدولارات لكي تعيد إقراضه بفوائد وتحقق مكاسب ٣٠٠ و٤٠٠ في المئة زيادة على كلفة رأس المال.
وبالعودة إلى خطط ترامب الاقتصادية التي من المستبعد أن يجاريه فيها أعضاء الكونغرس، أو تتعاون معه المؤسسات المالية وإدارة البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الاتحادي) في تطبيق سياسته النقدية. فليس هناك في الولايات المتحدة من يستطيع المهادنة في قضية مثل فقدان الإمبراطورية المالية الأميركية ودكتاتوريتها المكتسبة لامتيازاتها الحصرية. وما يريده ترامب هو تفكيك الإمبريالية والإطاحة بالدولار كعملة ورقية تحل محل الذهب على طريقة خيار شمشون كما يعتقد كبار مفكري الاقتصاد. وهو يأتي في وقت تترنح فيه العولمة التي تقودها الولايات المتحدة بسبب الاختلالات التي حصلت على مدى عقد من الزمن.
بسياسته، سيقضي ترامب أولاً على الشراكة عبر الأطلسي، وبذلك يفتح الطريق أمام نمو الشراكة عبر الهادئ التي تقودها الصين والتي تسمى الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. ومع اختيار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، لا تستطيع أوروبا إنتاج بديل، بينما الصين جاهزة لإنتاجه ووضعت الخطة له، والأهم أنها قادرة على ذلك.

يود ترامب تعطيل قانون فرانك لحماية المستهلك ما يعيد الوضع إلى ما قبل بركان ٢٠٠٨

يعتقد ترامب أن الولايات المتحدة قادرة على فرض نظام دون شركاء من أميركا الشمالية أو من أوروبا أو حتى من المحيط الهادئ. وهو ينوي فرض ضرائب استيراد (جمركية) على الواردات من المكسيك والصين. هو يخطط لإعادة المستثمرين في هاتين الدولتين مع مصانعهم إلى الحظيرة الأميركية. بعبارة أخرى، هو سيطلق حرب الحماية الجمركية. حربٌ عمِل العالم على التخلص منها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لأنها كانت سبب كل الحروب بين الدول الصناعية قبل ذلك. عندها تصبح منظمة التجارة العالمية من الماضي. أما عواقب زوالها الاقتصادية فأكبر من أن تحصى. لا صناعة في العالم اليوم تعتمد على مصانع في دولة واحدة. الصناعة باتت معولمة منذ عقود. والمصانع الأميركية لا تستطيع أن تنتج طائرات حربية بدون استيراد قطع من الطرف الثاني من هذا الكوكب. واليد العاملة الرخيصة هي التي جعلت تكلفة النقل هامشية.
يود ترامب أن يعطل قانون دود فرانك الذي طبق منذ ٢٠١٠ من أجل حماية المستهلك في السوق المالية الأميركية، ما يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل بركان ٢٠٠٨ حين ضرب تسونامي الأسواق المالية العالمية انطلاقاً من وول ستريت. القانون تكرهه المصارف حين ترتب القروض والاستثمارات، لكنها لا تملك نظاماً ناجحاً غيره. هو يهدم النظام قبل بناء بديل.
أما المشاريع التي وعد ترامب بتنفيذها من زيادة كبيرة في الإنفاق على البنى الأساسية، فلا ينوي تأمين المال لها من زيادة الضرائب لأنه أكد أنه يريد خفضها كثيراً وبنسب خرافية، من ٣٥ إلى ١٥ في المئة. بعبارة أخرى، إنه سيغرق ذوي المداخيل العالية بوفر كبير من الضرائب فيما سينعم دافعو الضرائب من متوسطي الدخل بوفر أقل، لكنه يبقى كبيراً ما يهدد بحدوث تضخم مالي كبير. وهذا يتم في وقت ينوي فيه ترامب ترحيل اليد العاملة الرخيصة إلى حد السخرة من المهاجرين غير الشرعيين. كذلك فإن نسبة البطالة الأميركية ضئيلة في هذا الوقت. وهذا معناه أن ارتفاع الأجور والأسعار يهددان بالخروج عن السيطرة.
خطط ترامب الاقتصادية لا تهدد بالفوضى في منطقة واحدة، بل في العديد من المناطق بما فيها تلك التي تعتمد عليها الشركات الأميركية. ترامب يريد تحميل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، عبء الفاتورة العسكرية ويرفعها عن كاهل الولايات المتحدة. لا حماية مجانية إلا لإسرائيل في قاموسه. بذلك يجعل الكثير من الدول تلجأ إلى تطوير صناعاتها الحربية بوتيرة أسرع من أجل الاعتماد على النفس كبديل من نظام الأمن الجماعي. كثير من هذه الدول قد تجد أن السبيل الأرخص لتأمين الردع العسكري هو سلوك المسار النووي. دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان قادرة على ذلك بسرعة كبيرة. عندها يزول نظام منع انتشار الأسلحة النووية بالكامل. وقد حدد ترامب في سياسته أنه يريد حجب مليارات الدولارات عن الأمم المتحدة، لا سيما عن مجلس حقوق الإنسان بسبب «تحيزه ضد إسرائيل» كما يقول.
أما الدول غير الصناعية، مثل دول الخليج فإنها قد تلجأ إلى البحث عن حماة من الكتل السياسية الأخرى، وتفقد الولايات المتحدة احتكار السلاح في أسواقها. وهذا معناه أن ترامب الذي وعد بخفض الدين الأميركي سيضطر لزيادته مع تراجع العائدات من الأسواق.
ربما نجح ترامب في استقطاب كل ما يحتاج من أصوات أميركية من الأرياف والأماكن النائية التي لا تزال تفكر بعقلية «الكاوبوي». لكن خططه، إذا بقيت على حالها، تهدد بخروج أعداء كثر له في المؤسسات والمدن الأميركية، حيث الكثافة السكانية ذات القدرة الأكبر على التأثير. نجاح ترامب كابوس يريد الكثيرون القضاء عليه.

*كاتب لبناني