فوجئ المشرفون على تنظيم ملتقى فكري فرنسي حول الأزمة السورية، بعنوان "تحديات سوريا ومنطقتها"، بصدور قرار مفاجئ بإلغائه قبل 12 يوماً من موعد الانعقاد الذي كان مقرراً في 26 تشرين الثاني الجاري. وكان مزمعاً أن يقام الملتقى بإشراف "الجامعة المتوسطية" التي يوجد مقرها في مدينة كون الفرنسية، في مقاطعة نورماندي، بالشراكة مع جمعية فرنسية تدعى "التجمع من أجل سوريا". واختير لاحتضان الملتقى فضاء يحمل رمزية قوية هو "المتحف التذكاري لمدينة كون" المعني بتاريخ القرن العشرين من زاوية الدفاع عن السلام ونبذ العنف، وينتمي الى "الشبكة الدولية للمتاحف من أجل السلام".
أُلغيَ الملتقى

قبل موعد الانعقاد المقرر في 26
تشرين الثاني


مدير المتحف، ستيفان غرينالدي، فاجأ منظّمي الملتقى والمشاركين فيه بإعلانه إلغاء انعقاد الملتقى بقرار أحادي الجانب لم يعلم به المنظمون سوى عبر برقية لوكالة الأنباء الفرنسية. وبرر غرينالدي قراره بأنه تلقى "تحذيرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن الملتقى يضم شخصيات معروفة بانتمائها الى اليمين المتطرف، وأخرى مؤيدة لبشار الأسد". وخلص إلى القول "لا يمكننا أن نسلم مفاتيح متحف السلام إلى شخصيات تؤيد بشار الأشد الذي يقود منذ عام 2011 حرباً مقيتة".
وفي مقالة مدوية، نُشرت على موقع مجلة "أفريك آزي"، حمل المستعرب ألان شويت، المسؤول السابق عن قطاع الشرق الأوسط في جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية، بشدة على قرار إلغاء هذا الملتقى الذي كان يعتزم المشاركة فيه. واستغرب شويت أن يتخذ مدير مؤسسة مرموقة قراراً كهذا بالاستناد الى ما يروّج على شبكات التواصل الاجتماعي، من دون أيّ تثبت. ونفى أي صلات لمنظّمي الملتقى أو المشاركين فيه باليمين المتطرف، معدّداً أسماء الشخصيات المرموقة التي كان مزمعاً أن تشارك في ندوات الملتقى، وتنتمي جميعها الى التيارات اليسارية أو الديغولية: عمدة مدينة كون، جويل برينو، الديبلوماسي السابق ميشال رامبو (المدير السابق للمكتب الفرنسي لحماية اللاجئين)، البرلمانيان جيرار رابت وجان ميشال شليريه، فضلاً عن شخصيات ثقافية بارزة، كالشاعر أدونيس، والإعلاميين ريشار لابفيير، رينيه نبعة، وماجد نعمة.
وبالرغم من أن مدير "متحف السلام" لم يحدد هوية الجهات التي قادت حملة المطالبة بإلغاء الملتقى، فإنّ ألان شويت قال إنه تحرّى عن الأمر على شبكات التواصل الاجتماعي، فوجد أن من يتهمون المشاركين في "ملتقى كون" بأنهم "فاشيون خطيرون" هم الجهات نفسها التي سبق أن قادت "حملة مكارثية" طالبت رئيسة "فرانس تلفزيون" بطرد الصحافية المرموقة سماح صولا، لأن الأشرطة التوثيقية التي قدمتها ضمن برنامجها "عين على الكوكب"، حول الصراع في سوريا، لم توافق "الفكر المهيمن"، وبالأخص في ما يتعلق بإبراز بشاعة "الجماعات الجهادية" وجرائمها.
وفي تلميح آخر إلى هوية من أداروا الحملة ضد "ملتقى كون"، أشار ألان شويت الى "قلم مأجور يكتب في صحيفة أسبوعية كبيرة، سبق أن وصفني عام 2012 بأنني انتمي إلى اللفيف الفاشي لبشار الأسد في فرنسا، لمجرد أنني نطقت خلال محاضرة حول سوريا بالجملتين الآتيتين: إنّ من يتمرد على طاغية ليس ديموقراطياً بالضرورة... وكوننا نطرح تساؤلات حول أساليب ووسائل وأهداف المتمردين ضد طاغية، لا يعني أننا نؤيد الطاغية".
من جهته، قال "التجمع من أجل سوريا"، في بيان حمل توقيع رئيسه أنس أليكسي شبيب، إنّ الضغوط التي مورست على مدير "متحف كون" لدفعه الى إلغاء الملتقى جاءت من "التجمع من أجل سوريا حرة وديموقراطية". وهو جمعية تم تأسيسها خصيصاً للتهجّم على "التجمع من أجل سوريا" وتشويه سمعته واتهامه بموالاة النظام، في حين أنّ موقف التجمع يتمثل في "رفض الحرب في سوريا، والدعوة إلى مصالحة وطنية يتم الاحتكام فيها إلى الوسائل السلمية".
الإعلامي الفرنسي ريشار لابفيير قال، في اتصال هاتفي مع "الأخبار"، إنّ "قرار المنع هذا يشكل سابقة خطيرة تؤشر إلى أننا نعيش عودة الرقابة وهيمنة الفكر الأحادي في فرنسا. وكل من يخالف الفكر المهيمن تساق له اتهامات شنيعة، مثل تأييد اليمين المتطرف أو معاداة السامية أو تأييد الاستبداد". وأضاف لابفيير أن "من السوريالي أن يصدر مدير متحف كون، الذي يُعنى بالسلام، قراراً بإلغاء ملتقى لأن منظميه يرفضون الحرب".
واستغرب لابفيير أن يتم إلغاء ملتقى كهذا من دون أيّ تثبت، بل بالاستناد فقط إلى ما يتم ترويجه من أكاذيب على شبكات التواصل الاجتماعي. وأضاف ساخراً: "غداً، إذا قامت حفنة من المهووسين بالترويج على شبكات التواصل، أن الإنزال الأميركي في نورماندي، خلال الحرب العالمية الثانية، لم يحدث، أخشى أن يقوم مدير المتحف التذكاري في مدينة كون بإغلاق هذا المتحف لأنه أقيم في الأصل تخليداً لذلك الإنزال".