لم تختلف المناظرة الثالثة التي نُظمت ليلة أول من أمس بين المرشحين السبعة للانتخابات التمهيدية، التي ستعيّن مرشح اليمين للرئاسة الفرنسية، عن سابقاتها. فقد جاءت النقاشات باهتة وغلب عليها الحذر والتحفظ. حتى فضيحة الحقائب المالية التي اتهم تاجر السلاح زياد تقي الدين، الرئيس السابق نيكولا ساركوزي بتقاضيها من نظام معمر القذافي، مرّت من دون أي تعليق من قبل منافسيه. وحين جازف الصحافي دافيد بوجاداس ــ الذي أدار المناظرة ــ بإثارة الموضوع، فوجئ برد عاصف من قبل ساركوزي، الذي وسمه بـ«العار»، قائلاً: «نحن على تلفزيون عمومي، كيف تجرؤ على ترديد أقوال شخص من خريجي السجون، سبق أن أُدين مراراً بتهمة القذف، ومعروف أنه شخص كاذب. يا للعار، هل يعقل هذا من قبل صحافي في تلفزيون عمومي. إنه أمر مخزٍ!». وبدا الحرج على باقي المرشحين، لكن أياً منهم لم يعلّق على الموضوع، حتى جان فرانسوا كوبيه الذي كان قد ركّز مداخلاته، خلال المناظرتين الأوليين، على انتقاد ساكوزي واتهامه بالفساد، لزم الصمت. ولم يكن ذلك أمراً مفاجئاً، ففضائح الفساد المرتبطة بزياد تقي الدين طاولت كوبيه هو الآخر.

في المقابل، حمل كوبيه بشدة على فرانسوا فيون الذي سجّل، خلال الأسابيع الأخيرة، شعبية متزايدة جعلته يخلخل يقينيات أنصار الثنائي المتصدّر، ألان جوبيه ونيكولا ساركوزي. كوبيه، الذي يتزعّم ما يسميه «يميناً بلا عقد» ــ وهو تيار محافظ لا يختلف كثيراً عن اليمين المتطرّف العنصري ــ لم يكتفِ بانتقاد أطروحات فرانسوا فيون الذي ينتمي إلى التيار الديغولي، بل وصفه بـ«المحتال». وهو ما استهجنه باقي المرشحين، مؤكدين ضرورة أن يحافظ النقاش على وقاره وعلى «المستوى المشرّف»، الذي طبع المناظرات السابقة.
لكن اعتراض منافسي فيون على الشطط الذي انساق إليه كوبيه، لم يمنعهم من تركيز انتقاداتهم عليه وعلى برنامجه طوال المناظرة. وقد واجه فيون هذا الأمر بكثير من الاتزان وصفاء الرؤية، مراهناً على نبرة الصدق التي اشتهر بها منذ أن واجه الفرنسيين، عام 2012، عندما تولى رئاسة الحكومة، بتصريح شهير قال فيه إن البلاد تعيش حالة إفلاس. سمحت هذه النبرة لفيون بأن يخالف وعود منافسيه، معتبراً مقترحات جوبيه وساركوزي بتوظيف 50 ألف شرطي ضرباً من الديماغوجية التي تلعب على وتر المخاوف الأمنية، بما يناقض وعودهما بخفض إجمالي عدد الموظفين في مختلف القطاعات العمومية، بنحو 300 ألف شخص.
فيون تحدّث بنبرة الصراحة ذاتها في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، فانتقد «استفزازات حلف الأطلسي» الذي «تعمّد نصب صواريخه بمحاذاة حدود روسيا»، على حد تعبيره. ووضع منافسيه أمام أسئلة إشكالية بخصوص الملف السوري: «كيف يمكن محاربة داعش بشكل فعّال، من دون التحالف مع روسيا؟»، و«هل يمكن الدفاع عن مسيحيي الشرق (موضوع كان مثار تنافس بين ساركوزي وجوبيه في الأسابيع الأخيرة)، وإغفال واقع أن هؤلاء المسيحيين، في غالبيتهم الساحقة، يدعمون (الرئيس السوري) بشار الأسد؟». وقال فيون إنه يتفهّم ذلك التأييد، لأن «مسيحيي الشرق» يدركون أن «سقوط النظام الحالي يعني قيام ديكتاتورية دينية سنية، ستمثّل تهديداً لهم ولكل الأقليات الأخرى».
في موازاة ذلك، منح ارتكاز انتقادات بقية المنافسين على فيون، الفرصة لتسليط الأضواء على أفكاره وبرنامجه السياسي، ما جعله الفائز الأكبر في هذه المناظرة الأخيرة التي جاءت قبل ثلاثة أيّام فقط على موعد الاقتراع، الذي سيجري غداً الأحد. ووفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة Elabe، فقد بدا فرانسوا فيون الأكثر إقناعاً، خلال المناظرة، بنسبة 39 في المئة، مقابل 26 في المئة لوجوبيه، و25 في المئة لساركوزي.
ورصد الاستطلاع ذاته تأثير المناظرة على نظرة الناخبين إلى كل مرشح، بسؤالهم، قبل وبعد النقاش، عمّن يَرونه الأنسب لمنصب الرئاسة. وجاءت النتائج مؤكدة تصدّر فيون، حيث قفزت نسبة المؤيدين له 7 نقاط (من 18 إلى 25 في المئة)، ليتقدم على ساركوزي الذي لم تتغيّر نظرة الناخبين إليه، قبل وبعد المناظرة، وبقيت ثابتة بنسبة 19 في المئة، بينما تراجع جوبيه بنقطتين (من 42 إلى 40 في المئة)، لكنه حافظ على موقع الصدارة.
الانطباع ذاته خرج به استطلاع آخر أجرته Opinionway، فقد بيّن أن 37 في المئة ممّن شاهدوا المناظرة، قالوا إن نظرتهم إلى فيون أصبحت أكثر إيجابية، بنسبة 37 في المئة، في مقابل 17 في المئة فقط ممّن تحسّنت نظرتهم إلى جوبيه. أما ساركوزي فقد تصدّر الاستطلاع، ولكن في الاتجاه المعاكس، إذ أعرب 26 في المئة ممّن شاهدوا المناظرة، عن نظرة أكثر سلبية إلى الرئيس السابق.
تضفي هذه المعطيات حيوية جديدة على المنافسة الرتيبة ــ التي ساد الاعتقاد مطولاً بأنها ستدور أساساً بين ساركوزي وجوبيه ــ وخصوصاً أن بروز شبح «الرجل الثالث» فيون لا يمثّل تهديداً لساركوزي فحسب، بل يطاول ألان جوبيه أيضاً. ففي مواجهة منزلقات «اليمين البونابارتي» الذي يجسّد ساركوزي أوجهه الأكثر شططاً، لم تعد قطاعات متزايدة من الناخبين ترى الخلاص في «النهج التوفيقي» الذي يمثله جوبيه بأطروحاته عن «الهوية السعيدة». فقد سُرقت منه الأضواء تدريجياً من قبل فيون، بمواقف ديغولية زاوجت بين المنحى الاجتماعي والصرامة الاقتصادية، داخلياً، ومعاداة «حلف شمال الأطلسي» والهيمنة الأميركية، على صعيد السياسة الخارجية.