حسمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الأمر أمس، بإعلانها الترشح لولاية رابعة لمستشارية البلاد، بعد أشهر من التكهنات. لكن الأحداث التي حصلت، خلال العام الماضي في العالم، من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى صعود «التهديد الإرهابي» وفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، تعني أن المهمة المنتظرة لمستشارة أكبر بلد أوروبي لن تكون سهلة.

وإذا فازت، فستحطم ميركل الرقم القياسي في مدة الحكم لـ14 عاماً، الذي سجله المستشار كونراد أديناور بعد الحرب العالمية الثانية، متعادلة مع سلفها وراعيها السياسي هلموت كول، الذي بقي مستشاراً لـ16 عاماً.
لكن في الآونة الأخيرة، تعثرت شعبية ميركل، متأثرة بالبلبلة التي سبّبتها سياستها تجاه أزمة اللاجئين في الدرجة الأولى. لكن هذا التعثر لا يمنع تقدمها في استطلاعات الرأي، إذ وفق آخر تلك الاستطلاعات، فإن «ائتلافاً كبيراً» آخر هو قيد التشكل لقيادة ألمانيا في انتخابات أيلول 2017، يتألف من الاتحاد المسيحي الديموقراطي والحزب الاجتماعي الديموقراطي.

واجهت ميركل نكسة بإخفاقها في طرح مرشح من حزبها لرئاسة البلاد

كذلك، بيّن استطلاع نشر الأحد الماضي في مركز «بيلد أم سونتاغ» أن 55 في المئة من الألمان قالوا إنهم يرغبون في رؤية ميركل تترأس الحكومة ، فيما قال 39 في المئة إنهم ضد إعادة انتخابها.
الأرقام الإيجابية لا تلغي واقع أن تحديات المستشارة داخل بلادها كبيرة جداً، مرفقة باستياء من سياساتها الأخيرة. ولم يحظَ تعامل ميركل مع أزمة المهاجرين بالقبول في الشارع الألماني، بعد وصول حوالى 900 ألف مهاجر العام الماضي. تعثرت شعبية ميركل جراء ذلك، ونجحت أحزاب أخرى في استغلال الفرصة والفوز في الانتخابات المحلية في عدد من المقاطعات، خصوصاً حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف.
تقدّم اليمين المتطرف في ألمانيا للمرة الأولى منذ عام 1945، يعدّ أحد أكبر إخفاقات ميركل، التي «تبدو إمكانياتها القيادية محدودة»، وفق صحيفة «دي تسايت»، التي أشارت إلى أن المستشارة معزولة، «فلم تعد تستطيع الاعتماد على أوروبا للسير قدماً، ولا تستفيد من حزب موحد وراءها، ولا تتمتع بالدعم الواضح من السكان، الذي كانت تلقاه قبل سنة ونصف سنة». ولهذا، فقد رافق ترشحها من عدمه جدلاً كبيراً خلال الأشهر الماضية، خصوصاً أن ضعفها السياسي تبدّى بتفاوضها في قضية المهاجرين مع المتمردين عليها من الفرع البافاري لحزبها، الذي هدّد مراراً بعدم دعمها في 2017، قبل أن يتراجع في غياب أي بديل.
وواجهت المستشارة أيضا نكسة مؤخراً بإخفاقها في طرح مرشح من حزبها ليتولى رئاسة ألمانيا في2017، وتفوّق عليها الاشتراكيون الديموقراطيون. في المقابل، تعلّق آمال كثيرة على ميركل حالياً، إذ تبدو كأنها الرابح الوحيد في الغرب من فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وقد اعتبر فوز الأخير عاملاً دفع باتجاه إعادة رفع شعبية ميركل، إلى درجة وصفها من قبل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية بأنها باتت «المدافعة الأخيرة عن الليبرالية الغربية». وحققت ميركل بذلك لقب «قائدة العالم الحر» الجديدة، مع ارتفاع مشاعر الخوف عند الليبراليين من نزيل البيت الأبيض الجديد الذي يرون فيه مثالاً للشعبوية والتطرف.
جعلت ميركل من ألمانيا إذاً، في القرن الواحد والعشرين، الملاذ الأخير للديموقراطية الغربية. والمستشارة تصرّفت على هذا الأساس عندما هنّأت ترامب بفوزه، ثمّ أعادت تذكيره بالقيم التي تجمع برلين وواشنطن، قائلةً: «الديموقراطية، احترام حقوق الإنسان، بغضّ النظر عن الدين والجنس ولون البشرة والميول الجنسية أو الرأي السياسي... هي القيم التي أدعو من خلالها رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، إلى التعاون معاً على أساسها». كذلك، ذكّرت ميركل في مؤتمرها الصحافي بتلك القيم، قائلة إن «المعركة من أجل قيمنا» الديموقراطية ومن أجل الحرية والدفاع عن «أسلوب حياتنا» ستكون أحد البنود الرئيسية في برنامجها.
ويرى الغرب أن ميركل لعبت دوراً إيجابياً في تعويم سياسات مروّجة للقيم الليبرالية، منذ أن تسلّمت المستشارية عام 2005، لدورها في إنقاذ أكبر اقتصاد في أوروبا خلال الأزمة المالية عام 2008 وخلال أزمة اليورو. ولعل أكثر من يعلقون «الآمال» عليها هو الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي عند زيارته برلين، الأسبوع الماضي، قال إنه لو كان ألمانياً، لكان صوّت لميركل. وساعدها في الوصول إلى هذه المكانة أسلوبها السياسي الذي يتميز بالبراغماتية والهدوء، ولكن ببعض الحزم أيضاً.
يبدو الدور المنتظر من ميركل معقداً جداً، لكن يرى تقرير لصحيفة «بوليتيكو» أن المستشارة الألمانية لن تنجح فيه وحيدة؛ فهي رغم ما يعلّق عليها من آمال، قد لا تتمكن من منع «الاتحاد الأوروبي» من الاتجاه نحو مزيد من الانحدار، خصوصاً أن سياساتها وتعاملها مع أزمة اليونان أثارا غضباً لدى شريحة أوروبية كبيرة.
(الأخبار)