أسبوع واحد يفصل فرنسا عن معرفة اسم مرشح اليمين لرئاسة الجمهورية، بعدما بدأت المعركة الصعبة بين المرشحين الفائزين في الانتخابات التمهيدية، فرانسوا فيون وألان جوبيه، التي تعكس تنافس خطين سياسيين يمينين مختلفين، خط شيراكي وخط تاتشري، وفق توصيف افتتاحية صحيفة «لوموند»، أمس، خاليين من «التحسينات» التي حاول نيكولا ساركوزي إدخالها.

استنتاجات عديدة خرجت عن تلك الانتخابات بنتائجها المفاجئة البعيدة عمّا بيّنته استطلاعات الرأي، والتي أودت بحياة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي السياسية. واستبعد الناخبون ساركوزي من دون شفقة، ليكون هو الخاسر الأكبر بعدما ثبت عدم صوابية حملته السياسية طوال الأشهر الماضية. منذ تسع سنوات، احتفل ساركوزي بدخوله قصر الإليزيه، وها هو اليوم ربما يودع العمل السياسي، مستبعداً من قاعدته الانتخابية نفسها التي اختارته على مدى أكثر من عشر سنوات. حافظ ساركوزي على أمله حتى بعد بدء صدور أولى النتائج، ثم بعد وقت قصير، ظهر في مؤتمر صحافي معلناً هزيمته التي كتبت نهاية لوجوده في المشهد السياسي الفرنسي. وطوال الأشهر الماضية في طلعاته التلفزيونية، ربما لم يتخيّل ساركوزي سقوطاً مماثلاً. ولعل خطأه الأول كان الاستخفاف بالحملة «المسيحية» لفرانسوا فيون، مركّزاً كل اهتمامه على ألان جوبيه الذي لم ينل ما كان يطمح إليه من الأصوات. أما الخطأ الثاني، فهو قلة تقدير مدى تأثير ما يطاله من فضائح فساد، والتمويل غير الشرعي لحملته في عام 2007 على الرأي العام.

يبدو فيون كشخصٍ نزيه ويمتلك صدقية ربما يفتقدها منافسوه

الخاسر الثاني هو ألان جوبيه (71 عاماً)، الذي بالرغم من تأهله للدورة الثانية، فقد نال نسبة أصوات أقل بكثير من تلك التي نالها فرانسوا فيون، وأقل من التوقعات. لكن ذلك لا ينفي عودة لجوبيه الذي غاب لعشر سنوات عن السياسة. وقد تولى جوبيه سابقاً خمس حقائب وزارية ورئاسة الحكومة، وكان نائباً ونائباً أوروبياً، ورئيس حزب ورئيس بلدية مدينة بوردو. وصفه الرئيس الأسبق جاك شيراك بأنه «الأفضل بيننا»، وحرص خلال حملته على التزام خطاب متوازن، لكن حملته «الباهتة» لم تؤت ثمارها. ومثل ساركوزي، فإن تاريخه السياسي، على عكس فيون، لا يخلو من النكسات التي كانت أولاها عام 1995 حين نزل الملايين إلى الشارع احتجاجاً على إصلاحاته الاجتماعية كرئيس للوزراء. ومنع في عام 2004 من الترشح لأي منصب بسبب قضية التوظيفات الوهمية في بلدية باريس. تمكّن في عام 2006 من استعادة بلدية بوردو، وأعاده ساركوزي إلى العمل السياسي عام 2007 كوزير للبيئة ثم للدفاع والخارجية. وفي 2012، أدت هزيمة ساركوزي أمام فرانسوا هولاند إلى اندلاع حرب زعامة داخل اليمين، لعب خلالها دور الوساطة.
جوبيه الشيراكي الآن أمام مهمة «مستحيلة»، وفق توصيف صحيفة «ميديابارت»، لإعادة توجيه أصوات الناخبين نحوه، بعدما تبين أن تركيز حملته على «معاداة ساركوزي» استراتيجية فاشلة. مهمة مستحيلة، لأن «فيون أفهم منافسيه أن طريقته بالعمل وإعداده لمشروعه وقيادته لحملته ناجحة... لقد تمكن الفرنسيون من رؤية أن هناك خياراً آخر، أكثر متانة وأكثر تطرفاً ربما، ولكن بالتأكيد أكثر تماسكاً وجدية (هو فيون)»، وفق النائب المناصر لفيون، جان فرانسوا لامور.
أما فوز فيون الهائل، فلا يمكن وصفه سوى «بانتقام المساعد»، وفق «لوموند». فالرجل الذي قال عنه ساركوزي سراً إنه «من النوع الضعيف»، تفوّق اليوم على من كان، منذ سنوات، مجرد مساعد له، لينتقل إلى كونه مرشحاً قوياً لرئاسة الجمهورية ومنافساً مخيفاً لزميله ألان جوبيه، ولزعيمة «الجبهة الوطنية» مارين لوبن.
ويرتكز توجه فيون على الليبرالية الاقتصادية، والمحافظة في القضايا الاجتماعية. هو مرشح منذ عام 2013، وعمل طويلاً على الترويج لمقترحاته. إذا انتخب فيون في عام أيار 2017 رئيساً للجمهورية، فسيضع برنامجاً اقتصادياً من 10 مليارات يورو لتمويل القطاع العام، وتخفيض نفقات الدولة، كذلك يشمل برنامجه إلغاء نصف مليون وظيفة وخفض المساعدات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن ليبراليته الاقتصادية المتأثرة بالتاتشرية قد لا تبدو مقنعة، إلا أن فيون «الكاثوليكي» عرف كيف يستفيد من أفكاره على الصعيد الاجتماعي؛ فأفكاره الاجتماعية المحافظة هي التي أعطته دفعاً لدى الناخبين. ويأتي ذلك خصوصاً أن فيون قد أبدى تأييده لتجريد فرنسيين يتوجهون إلى «الجهاد» من جنسيتهم، وتحديد حصص سنوية للمهاجرين، وتعديل القانون الذي يمهد الطريق أمام زواج مثليي الجنس. عموماً، يبدو فيون كشخص نزيه ويمتلك صدقية ربما يفتقدها منافسوه، دفعت الناخبين إلى اختياره.
في معسكر مارين لوبن أيضاً، يطرح فوز فيون سيناريو أكثر تعقيداً لمرشحة اليمين المتطرف، التي تملك هي الأخرى حظوظاً لا بأس بها للوصول إلى رئاسة الجمهورية. المواجهة مع فيون لن تكون بالسهولة نفسها التي كانت ستكون عليها أمام ساركوزي على سبيل المثال، خصوصاً أنه احتمال لم يدرس في معسكر «الجبهة الوطنية» عن كثب. لكن هؤلاء صوّبوا سهامهم مباشرة على البرنامج الاقتصادي لفيون الذي يرون أنه «هذيان»، وكذلك يلعبون ورقة أن فيون مسؤول عن إخفاقات عهد ساركوزي بدوره كرئيس للوزراء.
(الأخبار)