تواصل إيران، على أكثر من مستوى، تدارك الخطوات السعودية التصعيدية، منطلقة من واقع أن كل ما تقوم به الرياض لن يكون له أي تأثير عملي، حتى ولو شاركتها الدول العربية، أول من أمس، وقبلها الخليجية، الإدانة اللفظية. وعلى هذا الصعيد، لا تزال التصريحات الإيرانية تحافظ على نوع من التوازن بين التنبيه والتهدئة، تلافياً للانجرار إلى التوترات السعودية، وتدخل الإجراءات التي تقوم بها طهران رداً على الرياض، في إطار هذه الجهود المبنية على العقلانية، وأيضاً تأتي التصريحات التركية لتصبّ في الخانة ذاتها، بإعلان وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، أن أنقرة مستعدة للقيام بما يتطلبه الأمر للمساعدة في إنهاء التوترات بين إيران والسعودية.
وقد أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أمس، عرض "توجّهات السعودية الرامية إلى التخويف من إيران"، في رسائل إلى نظرائه في مختلف دول العالم.
وخلال استقباله المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، لفت ظريف "إلى الأفكار المتطرفة للسعودية في زعزعة الاستقرار في المنطقة"، وقال إن "الأفكار التكفيرية والمتطرفة تُعدّ التهديد الأساس للمنطقة، وتنبع مصادرها الفكرية والمالية من السعودية". وأضاف: "إننا نرى توجهات السعودية المثيرة للتوتر، استعراضات دعائية هنا وهناك وسلوكيات انفعالية وغير ناضجة".
من جهته، انتقد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آية الله أکبر هاشمي رفسنجاني "السياسات العدوانية للحكام السعوديين الجدد"، وقال إنهم "اغترّوا بأموالهم الطائلة، وبما أن أحداً لا يخضعهم للمساءلة، فإنهم أقدموا في سياساتهم الداخلية والخارجية علی إجراءات تعرّض أمن المنطقه للخطر". وتطرق رفسنجاني خلال استقباله المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر والوفد المرافق له في طهران، إلی قرار السعودية بقطع العلاقات مع إيران، وأكد أن "هذه قضية مستغربة"، مشيراً إلى أن "عدم الخبرة والتطرف وسّعا من نطاقها، بينما يلحق أقصی الضرر بسببها بالعالم الإسلامي". ولفت رفسنجاني إلى أنه منذ أن صدر حكم الإعدام بحق الشيخ النمر، بعث برسالة إلى ملك السعودية السابق عبد الله، داعياً إياه إلی "وقف حكم الإعدام بحق رجل دين يحظى بشعبية کبيرة في الداخل السعودي والعالم، ذلك أنه ليس بمصلحة المملكة"، وأشار إلى أن "الملك عبد الله أوقف قضية إعدامه". وأضاف رفسنجاني أنه "لو کان لدی الحكام الجدد في السعودية القليل من الحكمة والنضج السياسي، لكانوا قد أعرضوا عن هذا الإجراء المروّع، نظراً إلى ردود الأفعال الغاضبة التي صدرت عن الشيعة في العالم وإيران والسعودية تنديداً واستنكاراً له".

رفسنجاني: الحكام السعوديون الجدد اغترّوا بأموالهم الطائلة

وفي السياق، أصدر أكثر من 224 نائباً في مجلس الشوری الإيراني، أمس، بياناً أدانوا فيه النظام السعودي وهجومه الصاروخي علی السفارة الإيرانية في اليمن، وقطع بعض الدول علاقاتها مع إيران. وأدان النواب، في البيان، إعدام الشيخ النمر و"ممارسات النظام السعودي في الضغط علی شعبه وسائر الدول الإسلامية"، داعين وزارة الخارجية الإيرانية إلى "المتابعة الدولية إزاء السياسات الخاطئة للنظام السعودي کتحرکات خارجة عن الأعراف الدبلوماسية، ومنها الهجوم الصاروخي علی السفارة الإيرانية في صنعاء". ودعا البيان وزارة الداخلية الإيرانية إلى المتابعة القانونية لموضوع اقتحام "بعض العناصر غير المنضبطة للسفارة السعودية في طهران، ما أدی إلى الإضرار بمصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولياً".
من جانبه، رأى رئيس مجلس الشوری علي لاريجاني أن "النظام السعودي يرتكب أخطاءً استراتيجية ليمحو الانطباع السيئ الذي سببه لنفسه في المنطقة، عبر سياسة الهرب إلی الأمام، لكن ذلك يشكل خطأً". وخلال اجتماعه بمسؤولي "مؤسسة حماية ونشر أعمال الدفاع المقدس"، توجه لاريجاني إلى المسؤولين في السعودية، قائلاً إن "المطلوب منكم هو تصحيح الصورة التي سبّبتموها لأنفسكم، وهي لن تُمحى عبر سياسة الهرب إلى الأمام". وأشار إلى أن "النظام السعودي ساند الإرهابيين في سوريا، ودمّر البنی التحتية في اليمن من دون أن يحقق أي مكسب لنفسه".
وتعليقاً على بيان وزراء الخارجية العرب، لفت مساعد وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى أن "بيان جامعة الدول العربية يتعارض مع المواقف الدولية الرافضة للإعدامات غير الإنسانية، كإعدام الشيخ نمر باقر النمر"، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية حسين جاري أنصاري أن بياني مجلس الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي "تضمنا شعارات لا تتعدى كونها إعلان مواقف، من دون أي نوع من المواكبة الجماعية لسلوك الرياض الفردي ضد إيران".
وخلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، قال جابري أنصاري إن "سياسة السعودية قائمة على فرض سياستها الفردية على الدول والشعوب الأخرى"، مضيفاً أنه "يبدو أنه رغم كل الضجيج السعودي، إلا أن الدول الأخرى لا في الجامعة العربية ولا في مجلس التعاون، لم تواكبها في فرض إجراءاتها الأحادية".
من جهة أخرى، لفت جابري أنصاري إلى أنه "حتى الآن لم يجر اتخاذ قرار لانتخاب الجهة التي ترعى المصالح الإيرانية في السعودية"، وأشار إلى أنه "من أجل إكمال المسار الموجود بشأن قطع العلاقات، الذي يعد خطوة غير منطقية، فمن الطبيعي أن يكون هناك آليات موجودة بين الدول تنص على فتح مكتب لرعاية المصالح، ولكن لم يجر اتخاذ أي إجراء في هذا المجال".