يجهد الرجل الخمسيني في توزيع المنشورات الانتخابية لأحد المرشحين الرئاسيين، وسط عدم مبالاة الكثيرين من المارة. اهتمام البعض ليس من باب الرغبة بمعرفة ما تحتويه المنشورات، بقدر ما هي مساعدة الرجل الذي يتقاضى أجراً لـ«التخلص» مما بين يديه، وحاويات النفايات القريبة من مدخل محطة المترو شاهد على ذلك.

بالقرب من الرجل، لائحة إعلانية للمرشح الشيوعي، بافل غرودينين، يشرح فيها بعضاً من برنامجه الانتخابي، هي الأخرى لا تلقى اهتماماً من المارة الذين يعبرونها بسرعة هرباً من «جليد» موسكو هذه الأيام.
برودة الطقس القارس انسحبت أيضاً على الانتخابات الرئاسية. ومع التسليم بفوز الرئيس فلاديمير بوتين بولاية رئاسية رابعة في روسيا الحديثة، لا يتعامل الكثيرون هنا مع الانتخابات على أنها أمر في غاية الأهمية، بل إجراءٌ «شكليٌ» اختلف عن الحقبة الشيوعية بالإخراج فقط، حيث أصبح هناك اليوم مرشحون يتنافسون على رئاسة البلاد، فيما كان الأمر في زمن الاتحاد السوفياتي «مبايعةً» لمرشح الحزب الشيوعي الوحيد.
هذه الأجواء ترافقت أيضاً مع بدء المناظرات التلفزيونية التي انطلقت بين المرشحين على القنوات التلفزيونية. المناظرات التي فقدت بعضاً من أهميتها بعد قرار الرئيس فلاديمير بوتين التغيب عنها، لم تسجل أي حدث فارق، باستثناء الحادث الذي حصل بين المرشحة كسينيا سوبتشاك، ومنافسها رئيس الحزب الليبرالي الديموقراطي، فلاديمير جيرينوفسكي، بعدما رشقته بالماء، إثر وصفه لها بـ«الحمقاء»، مضيفاً: «ليس من الضروري جلب الفتيات من السوق إلى هنا».
رتابة المشهد وبرودته، كسرهما الرئيس فلاديمير بوتين بخطابه الأخير أمام الجمعية الاتحادية، وغيّر البوصلة تماماً وأعطى رونقاً للمشهد الباهت والبارد.

«رئيس قوي لبلد قوي»

يمكن القول إن الرئيس فلاديمير بوتين تعامل مع انتخابات 2018 بعامل التشويق مع الروس. فهو عمد إلى جعل مسألة ترشحه من عدمها قبل أشهر محط اهتمام واسع، وحتى أسلوب الإعلان عن الترشح كان فيه «حنكة دعائية».
وجعل بوتين من إعلان الترشح مناسبةً لتوجيه رسائل داخلية، فهو اختار فعالية «منتدى المتطوعين الروس» في موسكو، لتوجيه رسالة لفئة الشباب، بأنه سيكون مرشحهم لقيادة البلاد نحو المستقبل إذا هم اختاروا ذلك، في رسالة بأنه محط ثقة الشباب. وفيما كان الجميع يتوقع إعلان ترشحه من هذه المنصة، فاجأ الجميع بإعلان ذلك في اليوم نفسه من مدينة نيجني نوفغورود، في كلمة أمام عمال مصنع «غاز» للسيارات.
التشويق في إعلان الترشح انسحب أيضاً على حملته الانتخابية التي يخوضها بشعار «رئيس قوي لبلد قوي» مع صورة رصينة له وخلفها خريطة روسيا. فبوتين قرر خوض الاستحقاق من دون الإعلان عن برنامج انتخابي، إضافة إلى مقاطعة المناظرات الانتخابية، ورفض استخدام فترة الظهور التلفزيوني المسموح بها لكل المرشحين.
إلا أن بوتين استعاض عن ذلك، بالظهور العلني وتطويع الصورة لخدمة الترويج له، وتبقى الصورة الأكثر رسوخاً تلك التي يظهر فيها وهو يسبح في مياه مجلدة في عيد الغطاس الأرثوذكسي في مدينة تولا. كذلك عمد إلى تكثيف نشاطاته القريبة من الناس. فسواء في مصنع مهجور في منطقة روستوف أو دون في الجنوب، أو في اجتماع مع علماء في نوفوسيبيرسك في سيبيريا، أو خلال الاحتفال بالنصر السوفياتي على ألمانيا النازية في فولغوغراد، كثف بوتين إطلالاته وحرص على عدم إطلاق أي وعود، وعدم الغرق في التجمعات، أو عقد اللقاءات الانتخابية.
وأظهر استطلاع للرأي أعدّه المركز «الروسي لدراسة الآراء الاجتماعية»، أن 42% من المواطنين الروس في مختلف أنحاء البلاد شاهدوا حملة بوتين الانتخابية (ضمن الدعايات الانتخابية لجميع المرشحين والتي انطلقت على التلفزيونات)، وأن 33% من نسبة المشاهدين قوّموا دعاية بوتين الانتخابية بالإيجابية.

الانتخابات الرئاسية المقبلة تُعدُّ «الأهم في روسيا»


المحلل السياسي الموالي للكرملين، نيكولاي كالميكوف، يعتبر أن حملة بوتين ناجحة و«متحضرة»، وأضاف الأستاذ في جامعة «رانيبا» أن الرئيس يقوم بـ«عمل حقيقي وملموس يظهر نتائج أفضل من الظهور الشعبوي الذي يهدف الى الفوز بنقطة واحدة أو نقطتين». في المقابل، يرى الصحافي في موقع «ريبابليك» الروسي، أوليغ كاتشين، أن بوتين «لا يرغب حقيقة في القيام بأي شيء، وهذه هي العبرة الرئيسة من هذه الانتخابات».
بدوره، يلفت المحلل السياسي في مركز «كارنيغي»، أندري كولسنيكوف، إلى أنّ بوتين «لا يخوض حملة انتخابية، إنّه يؤدي مهماته الرئاسية، وهذا ما تقتصر عليه حملته». ويعتبر أنّ غياب البرنامج الانتخابي لدى بوتين يُعدُّ «أمراً مقلقاً جداً، وينم عن استخفاف بالناس».
تشويق بوتين استمر مع توقيته لخطابه السنوي أمام الجمعية الاتحادية الذي جاء قبل أيام من الانتخابات على غير عادته. الخطاب، الذي للمرة الأولى، استمر لساعتين من الوقت وحدد فيه بوتين معالم سياسات روسيا للسنوات المقبلة على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية (الاخبار).
بوتين عرف كيف «تؤكل الكتف»، فهو إضافة إلى البرنامج الاقتصادي والاجتماعي المهم الذي قدمه للسنوات الست المقبلة (وهي مدة ولاية الرئيس)، لعب على إثارة العصبية القومية للروس من خلال تقديمه للأسطول العسكري الجديد والمتطور لروسيا «الذي لا مثيل له»، كما استخدم مصطلحات تثير حماسة المواطن الروسي أعطت انطباعاً بأن «روسيا المستقبل قوية وقادرة ولا أحد يمكنه المس بها».
المحلل السياسي أندريه أونتيكوف، يعتبر أن خطاب بوتين كان بمثابة برنامج انتخابي وجاء كـ«صدمة إيجابية» سيستغلها جيداً في حشد المؤيدين له وحتى في فئة المترددين الذين لم يحسموا رأيهم بعد. ويضيف في حديث إلى «الأخبار»، أنّ الخطاب يُعدُّ «تأسيسياً لروسيا الجديدة»، مشيراً إلى أن بوتين وجه «خطابه إلى الشعب الروسي أيضاً وليس فقط إلى البرلمان، قدم فيه برنامجه السياسي للسنوات الستّ المقبلة، وحدد فيه نياته حول تطوير الاقتصاد والسياسة والثقافة والقطاعين الصحي والتعليمي، إضافة إلى العسكري... لديه خطة لتطوير الدولة الروسية». ويلفت إلى أن بوتين واثق من فوزه، لذلك شدد كثيراً على أن البرنامج المقدم هو للسنوات الست المقبلة، وهو واثق من أنه «سيتمكن من الوصول إلى الأهداف التي حددها».

الروس يثقون ببوتين جداً

يرى أونتيكوف أن بوتين، على عكس ما تبثه الدعاية الغربية، محط ثقة الشعب الروسي «الذي يرى فيه الشخص الوحيد القادر على قيادة البلاد نحو متسقبل أفضل، والوحيد القادر على مواجهة الصعوبات والتحديات التي تواجه روسيا».
ويشدد على أن الانتخابات الرئاسية المقبلة تُعدُّ «الأهم في روسيا»، ويضيف أن «الشعب الروسي يدرك أن البلاد تواجه تحديات على المستويات الداخلية، حيث الفساد المستشري والذي يحتاج إلى استئصال، والاقتصاد الذي يحتاج إلى خطط عمليّة لتطويره، خطوات واضحة وبناءة لتطوير روسيا... إضافة إلى الخارج، حيث هناك التصعيد بين روسيا والولايات المتحدة، والعقوبات الغربية والأميركية».

نسبة الاقتراع... التحدي الوحيد

خطاب بوتين الذي أعاد بعض الحيوية للنقاش السياسي في خضم الانتخابات، سيشكل عامل دعاية جيدة يساهم في تحفيز الناخبين للتوجه إلى مراكز الاقتراع. هذه النقطة تحديداً، أي إحجام الناخبين عن التوجه إلى مراكز الاقتراع يوم 18 آذار، من عدمه، شكلت مادة أساسية للحديث تحديداً بين أوساط المعارضة «الليبرالية» التي تحاول جاهدةً الإيحاء بأنّ الانتخابات ستشهد مقاطعة واسعة، وبأن الكرملين عمل على إيجاد مرشحين يقعون تحت جناحه لإكمال ما يعتبرونه «مسرحية الانتخابات»، وهو ما لاقته بعض وسائل الإعلام الأجنبية في بث أنباء مشابهة، بهدف واضح ورسالة جليّة بأن «الانتخابات مجرد ديكور».
اللجنة الانتخابية عمدت إلى حث الناخبين على التوجه إلى صناديق الاقتراع عبر دعاية مكثفة تحت شعار «بلدنا، رئيسنا، خيارنا». المخاوف من تدني نسبة المقترعين ومقاطعة الناخبين بددها استطلاع للرأي أجراه «مركز دراسات الرأي العام». وتبيّن في الاستطلاع أن نحو 70% من الناخبين سيشاركون في الاقتراع يوم الانتخابات، وهذا ما يعتبر ارتفاعاً ملحوظاً بعدما كانت استطلاعات الرأي تقول إن أقل من 50% من الروس أبدوا عدم اهتمام بالانتخابات قبل نحو شهرين من موعدها.
البعض اتهم المركز ببث هذه النتائج بطلب من الكرملين للتأكيد على أن الانتخابات ستكون محط اهتمام كبير، كذلك شككت بعض مراكز الدراسات المستقلة بالأرقام، وقالت إن نتائج استطلاعاتها بيّنت أن أرقاماً مغايرة لجهة نسب الإقبال والفئات التي لم تحدد موقفها بعد. إلا أن المشترك بين مراكز الاقتراع كانت نتائج الاستطلاعات المتقاربة والمتطابقة في بعض الأحيان للنسب التي سيحصل عليها الرئيس فلاديمير بوتين والتي بلغت نحو 69%.
أما مرشح الحزب الشيوعي، بافل غرودينين، فحلّ في المرتبة الثانية بنسبة بلغت نحو 7%، تلاه فلاديمير جيرينوفسكي متأخراً عنه بنقطة واحدة، بينما حصل المرشحون الآخرون على أقل من واحد في المئة لكل منهم.
المحلل السياسي، أندريه أونتيكوف، يرى أن من الصعب التكهن بالنسبة المتوقعة للمشاركين في الاقتراع، ويرجح أن تصل النسبة إلى 50% بأعلى تقدير، إلا أنه يضيف أن خطاب بوتين قد يغير المشهد تماماً. أونتيكوف يقول في تصريح لـ«الأخبار» إنّ بوتين سيسجل انتصاراً كبيراً، بنسبة أصوات قد تصل بين 70% إلى 80%، عازياً السبب في ذلك إلى آمال الشعب الروسي بـ«مخلصه».