خلافاً لما قد يتصوره البعض، تتفاعل اقتصادات السوق الحديثة، الغربية تحديداً، بسلبية شديدة مع التوقعات الأخيرة بالمزيد من انهيار أسعار النفط، إلى 20 دولاراً للبرميل أو حتى أقل. بات النمو الورمي لهذه الاقتصادات قائماً إلى حد كبير على المضاربات في أسواق الأسهم والمال، فبات ارتفاع سعر برميل النفط، كسلعة افتراضية يشكل استهلاكها الفعلي جزءاً ضئيلاً فقط من حجم المتاجرة بها، فضلاً عن قيمة أسهم المؤسسات المرتبطة بها، أمراً «جيداً» لهذه الاقتصادات، لا انخفاض كلفة الإنتاج الحقيقي، التي تشكل كلفة الطاقة جزءاً مهماً منها.
ومع عودة التوقعات بانفجار أزمة اقتصادية جديدة، كما حدث عام 2008، تلقي الصحافة الاقتصادية الغربية، في غالبيتها، باللائمة على «تباطؤ الاقتصاد الصيني»، متجاهلة أن الأمر الأخير ناتج أساساً من انخفاض الطلب على الإنتاج الحقيقي لهذا الاقتصاد... من جانب الاقتصادات الغربية خاصة، بعد انفجار أزمتها عام 2008. ويتوقع خبراء اقتصاديون كثر انفجاراً جديداً للأزمة الاقتصادية، كنتيجة طبيعية للاختلالات الهيكلية في الاقتصادات الغربية خاصة، وأبرزها تغوّل الاقتصاد الافتراضي على حساب إنتاج السلع والخدمات الحقيقية، وتوسع الهوة بين الطلب الكلي، وخصوصاً القدرة الشرائية لعموم المواطنين، والمستوى المرتفع للأسعار، وانفجار الفقاعات الناتجة من الاستهلاك الممول بالاستدانة.

حذّر المصرف المركزي الاسكتلندي من «سنة كارثية»

ونقلت صحيفة «ذي غارديان»، الأول من أمس، عن اقتصاديين من «المصرف الملكي الاسكتلندي» نصحهم لزبائن المصرف «ببيع كل شيء إلّا السندات ذات الجودة العالية»، محذرين من «سنة كارثية»، يمكن البورصة أن تنخفض خلالها بنحو 20%، وأن تصل أسعار النفط إلى 16 دولاراً للبرميل، مشبهين الوضع الحالي للاقتصاد (الغربي) بذاك في عام 2008. ولن تجدي نفعاً، للتقليل من جدية التهديد، تصريحات كتلك التي أطلقها أمس عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الأوروبي، فرانسوا دي غالوا، وقال فيها إن العالم لن يرى تكراراً لأزمة عام 2008، مبتعداً قليلاً عن الخطاب الذي يجعل من وضع الاقتصاد الصيني فزاعة عالمية، بقوله إن «ما يجري في الصين لا يشكل مرضاً خطيراً»، وإنه «لا يمكن إنكار» التعافي الاقتصادي في فرنسا ومنطقة اليورو عامة.
يعني الانخفاض الأخير لبعض أسعار النفط إلى ما دون الـ30 دولاراً للبرميل (وإن لفترة وجيزة)، للمرة الأولى منذ عام 2003، أن التوقعات الشائعة بانتعاش مستوى التضخم (النمو) لن تتحقق في الأشهر المقبلة على الأقل، وأن احتمال مضي المصرف المركزي الأوروبي في عملية التيسير النقدي، كما قيام المصرف المركزي في بريطانيا برفع أسعار الفائدة، بات أقل احتمالاً، حسبما ذكر موقع «بلومبرغ» أمس، ناقلاً عن محللين في مؤسسات مالية ضخمة، كـ«بنك أوف أميركا» و«مورغان ستانلي»، توقعهم أن ينخفض سعر خام النفط إلى 20 دولاراً للبرميل. ويقول هؤلاء إنه إذا بقيت أسعار النفط عند مستواها الحالي، فإن التضخم في منطقة اليورو سيعود إلى السلبية في منتصف العام الجاري، ويصل إلى محيط الصفر في النصف الثاني من هذا العام، بحسب روبن سيغورا كايويلا، الاقتصادي في «بنك أوف أميركا»، في مقابلته مع «بلومبرغ». وبحسب الاقتصادي في «كريدي سويس»، نيفيل هيل، من شأن انخفاض إضافي في أسعار النفط أن يغير من توقعات معدلات التضخم للعام الحالي، خاصة في الأشهر الأولى منه، حيث كانت المصارف المركزية (الغربية) تتوقع زيادة في معدلات التضخم. أما بالنسبة إلى المملكة المتحدة، فيتوقع الاقتصادي في «بنك أوف أميركا»، روب وود، ألّا يتجاوز معدل التضخم 1% في النصف الأول من العام، وذلك إذا لم تنخفض أسعار النفط أكثر.
وبحسب «بلومبرغ»، إن التوقعات بانهيار سعر برميل النفط إلى 20 دولاراً في المدى المنظور، كما توقع رئيس قسم الأبحاث المتعلقة بالسلع في «سيتي غروب»، إد مورس، «لم تعد تبدو جنوناً»، وذلك بعد انخفاض قيمة عقود النفط الآجلة تحت عتبة 30 دولاراً يوم الأول من أمس، للمرة الأولى منذ أكثر من 12 عاماً، إثر إعلان «بريتيش بتروليوم» أنها ستلغي 4000 وظيفة إضافية، وإعلان «بتروليو برازيليرو» أنها ستخفض إنفاقها، وتحذير «بتروليام ناسيونال» أنها ستواجه سنوات صعبة عدة.