بخلاف جمهرة كبيرة من الكتاب والاختصاصيين الذين تملأ تقاريرهم دوريات السياسة الدولية، يمتلك روبرت ماليه، خبرة ميدانية تبتعد به عن حافة التنجيم الذي يراود كثيراً من التقارير عن نذائر حروب تعتمل في مخيلاتهم، وفتائل تنتظر من يقدح شرارتها كي تنفجر سماوات وتنهار أوطان.

ماليه الخمسيني، ليس محللاً عادياً يقرأ المعطيات التي يصنعها الآخرون، وإنّما رجل قيضت له مسيرته المشاركة في صناعة القرار الأميركي، ولعب دوراً ليس من المغالاة القول لدى من عرفوه، إنّه كان ملهماً في دفع إدارة باراك أوباما إلى التوقيع على السلام النووي مع إيران. يُجيز ذلك ذهابه وإيابه مرتين إلى مجلس الأمن القومي الأميركي، في إدارتي بيل كلينتون، وباراك أوباما، حيث أشرف على ملفات عربية وإيرانية، ولكن دون أن يفلح في البقاء في قلبها كي تنضج التجربة، على ما فعل آخرون.

روبرت ماليه، إطفائيٌ دوليٌ أيضاً بفضل خوذة رئاسته لـ«مجموعة الأزمات الدولية» الذي يعتقد أنه بالكلمات والتقارير المحذّرة، يمكنه إغلاق جبهات وتبريد ساحات مقبلة على حروب. ولكي تكتمل الصورة، روبرت ماليه الحقيقي، كان عليه أن يتحدر من أب اسمه سيمون ماليه، اليساري المصري ــ الفرنسي، مؤسس دورية «إفريقيا ــ آسيا»، والمناضل إلى جانب الثورة الجزائرية ونصير قضية فلسطين، والمدافع عن قضايا الشعوب في مواجهة الاستعمار
في النقاش مع رئيس «مجموعة الأزمات الدولية» روبرت ماليه، تبدو الإدارة التي غادرها قبل عام قد نضج انسجام صقوريتها، خصوصاً بعد إقالة الرئيس دونالد ترامب، لبطن الإدارة الرخو ريكس تيلرسون، برغم ما بذله الأخير من جهود كبيرة للحاق بمعسكر الحرب الذي يرتسم من الآن فصاعداً داخل الإدارة الأميركية بعد عام كامل من المخاض لبناء استراتيجية موحدة.
«ينبغي أن نفهم أولاً (أنّه) لم يكن هناك سياسة متسقة للولايات المتحدة في المرحلة السابقة، والنقاش لا يزال مستمراً، وأخشى أن يستمر في السنوات الثلاث الباقية من ولاية الإدارة الحالية. هذا السجال لا يدور بشكل منتظم أو متناسق، وإذا كان هناك من مشترك يُمكن أن ينجلي عنه النقاش، فهو العداء لإيران ولدورها المتصاعد في المنطقة، وفقدان الولايات المتحدة لصدق قدرتها على الردع، مع تباينات بسيطة داخل فريق الإدارة. بيد أنّ (ثمة) خطاً يجمع شتاتها إلى رغبة جامحة بالتصدي لنزعة إيران للهيمنة في اليمن والخليج والعراق وسوريا ولبنان. وإذا كان من تغيير أحدَثه الفريق الجديد بالمقارنة مع سياسة إدارة أوباما، فهو يقيناً ذلك الهاجس الإيراني ودور طهران الإقليمي».
لا يعتقد ماليه أنّ هناك خطاً مهيمناً داخل الإدارة يبحث عن حرب مع إيران، أو أنّه مالك لرؤية للمآلات المرغوبة. «إذا أردنا أن نستشف السياسة الأميركية الحاضرة من منظور القرارات التي اتخذتها، سواء ما اتصل منها بالضغوط على الاتفاق النووي، أو الدعم المتزايد للسعودية في اليمن وتطابق السياسة الأميركية معها، أو ذلك الحضور الأميركي في الشرق السوري، ومساندة إسرائيل في سعيها لاقتلاع حزب الله أو تحجيم ايران، (فإنّ) هذه الميادين مجتمعة قد لا تعكس وجود استراتيجية متجانسة في البدء، إلا أنّ النتائج واضحة في النهاية بفضل ضغوط متعددة الأبعاد تتآلف حولها بلدان عدة، لاحتواء ايران».

اندلاع أي نزاع سيكون نتيجة حادث أو تقديرات استراتيجية مخطئة


هل من الممكن تحديد رموز المعسكرات المختلفة داخل الإدارة الأميركية؟
«الرؤية مشوّشة، ولكن بالنسبة للبنتاغون مثلاً، كان الهدف الأول في سوريا، قتال داعش دون استعجال المغادرة التي يريدها ضمن مهلة معقولة. وزارة الخارجية هي أيضاً، وفي الإدارة السابقة، جعلت من قتال داعش هدفاً أولاً لها في سوريا. تغيّرت الأولويات اليوم؛ هناك أصوات مهمة في البيت الأبيض خصوصاً، وفي مجلس الأمن القومي الذي شغلت في الماضي موقعاً فيه، وبعض دوائر الإدارة ومقربين من وزير الخارجية، يعتبرون أنّ الهدف الرئيسي للوجود الأميركي في سوريا، ليس قتال داعش فحسب، وإنّما مقاومة ما يعتبرونه التأثير المتعاظم لإيران في سوريا، لذلك (يأتي) التواجد شرق الفرات والتعاون مع الأكراد، وتلك المفارقة في محاولة تمتين العلاقات مع تركيا في آن واحد. إنّ هذا الفريق يستهدف قبل كل شيء مواجهة صعود إيران في سوريا. إذا ما قارنا الأشهر الستة الأولى لإدارة ترامب، بأشهرها الستة الأقرب، لسمعنا نغمة مستجدة مؤخراً من عزف يَنشُدُ رحيل الأسد».
هذه نغمة يُفسرُّها خصوصاً بروز قناعة في البيت الأبيض ولدى شخصيات نافذة في الإدارة، بأنّ رحيل الأسد شرط احتواء ناجح لإيران في سوريا؛ بكلام أوضح، من دون تغيير النظام ورحيل بشار الأسد، لا يمكن احتواء إيران. من الواضح أنّ تقييد العملية السياسية بشرط رحيل الأسد، سيؤدي تلقائياً إلى إطالة أمد الحرب في سوريا؟
«البعض يقول إنّ مجرّد بقاء الأسد سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب. إذا تفحصنا الخط البياني لنفوذ البعض سواء في البنتاغون أو في البيت الأبيض، سنرى أنّ الرأي الداعي إلى مواجهة إيران وإسقاط الأسد أضحى مهيمناً اليوم. هناك سبب آخر يشرح ذلك، هو أنّ البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي أصبحا أكثر تنظيماً من الماضي، وارتسم إجماعٌ انضمّ إليه وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، فانعكس تصلّباً في الموقف من بشار الأسد ومن إيران، ومن تأثير الأخيرة في سوريا، ودور حزب الله أيضاً، والتهديدات التي باتوا يمثلونها لأمن إسرائيل. صحيح أنّ أصحاب هذه الوجهة ضاعفوا من نفوذهم، ولكنّ الذهاب إلى الادعاء بأنّهم يريدون إدامة الحرب، هي مسألة خاضعة للتأويل. إنّ المرحلة الانتقالية الطويلة التي عبرتها الإدارة الجديدة وكانت فيها رجراجة، قد انتهت. لا يجب أن ننسى أنّ مجلس الأمن القومي قد عاش مرحلة طويلة من عدم الاستقرار خصوصاً بعد استقالة مايكل فلين، وقد عاد اليوم إلى لعب دوره كناظم للسياسة الخارجية في قلب الإدارة الحالية».
هناك ملف آخر نلحظ فيه تغييراً في آلية اتخاذ القرار، وقد انقضى العهد الذي كان فيه البنتاغون أو وزارة الخارجية يفرضان فيه وجهتهما لمجرد أنّهما يتواجدان على الأرض، كالتعاون مع الأكراد ضد «داعش». الملف الآخر الذي شهد تغييراً كبيراً هو ملف الأكراد؛ في البداية وخلال أشهر اندفعت الإدارة الأميركية بكليّتها للتحالف مع «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا. «لكننا نرى اليوم انعطافة كبيرة، وإرادة للتقارب مع تركيا يمليها فهم الإدارة للمصالح الاستراتيجية الأميركية في سوريا، والشكّ المتعاظم بالتوصل إلى تفاهم مع الروس، من الصعب الزعم اليوم أننا في مرحلة تسخين في العلاقات معهم. تتضافر التجاذبات وميزان القوى داخل الإدارة، والأحداث الميدانية ليتبلور اتجاه أكثر تصلباً تجاه الرئيس الأسد، وإيران، وتآكل الصلات مع روسيا، ومحاولة لترميم العلاقات مع تركيا. كل ذلك يندرج من عملية انتقالية طويلة وغير منظمة. ينبع التصلّب من واقع أنّ كل العناصر النافذة في الإدارة الحالية يتحدرون من إرث سلبي إزاء إيران. معظمهم من الجنرالات الذي اكتسبوا خبرتهم بإيران من خلال قتالهم في الميادين العراقية، ولا يزالون يعانون من ندوب هذا الماضي العراقي، بسبب ما يعتبرونه الحملة العدوانية للمليشيات الإيرانية ضدهم. وبين هؤلاء هناك من يعتقد أنّه لا بد من إلغاء الاتفاق النووي. وبينهم أيضاً من قرّر البقاء شرق الفرات لمواجهة إيران، أو مساندة السعودية في الحرب ضد الحوثيين الذين يرون فيهم ذراعاً لإيران في اليمن. ولكن إجماعاً يقوم بينهم على التصلب تجاه ايران، وعلى ارتخاء الإدارة السابقة إزاءها، وأنّ قوة الردع الأميركية قد تآكلت، ولا بد من إعادة قوة الردع الأميركية إلى نصابها، لذلك لم يعد يدور السجال داخل الإدارة على الأهداف أو الاستراتيجيات، وإنّما على الطرق الفضلى لتحقيقها».
من غير الواضح إلى أين أن يذهب التصلّب الأميركي تجاه ايران، وقد يكون أحد الخيارات المطروحة هو الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد إيران، فالحرب على مبعدة حادثة أو خطأ في التقديرات الأميركية أو الإسرائيلية، أو غيرها.
«في التقرير الذي نشرناه مؤخراً في مجموعة الأزمات الدولية عن المنطقة، التقينا الكثير من قادتها الذين أكدوا لنا أنّ أياً من هؤلاء لا يسعى إلى الحرب، بفعل توازن الردع السائد. يتحدث حزب الله عن توزان الرعب مع إسرائيل. وهذا صحيح، إنّ أيّ مواجهة محتملة بين إسرائيل وإيران وحزب الله، ستكون باهظة الكلفة للجميع. أعتقد بوجود كوابح، ولكننا لسنا بمآمن من اندلاع أي نزاع. أعتقد أنّ اندلاع أي نزاع اليوم سيكون نتيجة حادث أو تقديرات استراتيجية مخطئة، هناك خطوط حمر ولكنها مشوّشة، كما أنّ روسيا تحوّلت إلى حكم سلبي، ولا تتحرك إلا عندما تبدأ الأمور بالخروج عن السيطرة، ولا تتعامل مع الأزمة في المنبع لكبح التصعيد. نحن في ميدان لا قواعد للعبة فيه ويفتقد إلى الحَكَم بين الفرقاء فيما نواجه ساحة معارك جديدة، حيث يتوسع حزب الله وإيران في جنوب غربي سوريا التي لم تعد قادرة على لعب دورها التقليدي الكابح لأي تهديد للاستقرار للحدود مع إسرائيل. وهناك خشية إسرائيلية أكبر من الماضي، إذ ترى أنّ التواجد الإيراني يكبر ويتعزز، وترى حزب الله وقد امتلك الإمكانات لكي يصنع لنفسه المزيد من الصواريخ الدقيقة التصويب، القادرة على قلب التوازنات الاستراتيجية. وبالرغم من أنّ أياً من فرقاء النزاع لا يرغب فعلاً بالذهاب نحو حرب لا يمكن السيطرة على مجرياتها، فإنّ السياق الجديد في المنطقة يتسّم بغياب الحَكَم كما قلتُ وقواعد اللعبة. صحيح أنّ إسرائيل قد استوعبت أنّها غير قادرة على القبول بالانقلاب في توازن القوى، بعدما اكتسب حزب الله تقنيات تصنيع صواريخ دقيقة التصويب، وتَجَذّرَ وجوده العسكري في سوريا... ومن المحتمل أن تستنتج إسرائيل خلال عام أو عامين أو في المستقبل، أن حرباً ما هي أفضل من انقلاب جذري في موازين القوى بين الأطراف، يُقلِّص هامش المناورة الإسرائيلية بشكل كبير. تمتعت إسرائيل بهامش واسع في القرار، خاص في الميدان اللبناني والسوري، لذلك أعتقد بأنّ أيّ حرب قد تشتعل الحرب لن تكون إلا حادثاً، وكلما بكّرت روسيا في وضع آليات لاحتواء النزاع، كان ذلك أفضل».
البعض يرى أنّ سوريا هي ساحة مواجهة من الآن فصاعداً بين روسيا والولايات المتحدة، ليس بسبب الملف السوري، وإنّما بسبب ملفات أوكرانيا والدرع الصاروخي في أوروبا، وقد تكون هذه المواجهة عقبة إضافية أمام الحلّ السياسي في سوريا.
«كل ما أستطيع قوله، إنّ تآكل العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة يجعل التعاون بينهما في سوريا صعباً. هناك معطيات إضافية تشرح لماذا لم تتقدم العلاقات بين روسيا وأميركا، وعلى العكس من ذلك فقد واصلت تراجعها. من بين هذه المعطيات ما تعتبره روسيا تجديد أميركا لسباق التسلّح النووي، أو ما ترى فيه أميركا تدخلاً روسياً في الانتخابات الرئاسية، أو ذلك الهجوم الأميركي على قوات روسية رديفة في وادي الفرات والذي أوقع حصيلة من القتلى لم تعرفها حتى الحرب الباردة، وباستثناء التفاهم على خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية، لا تزال كلّ الملفات الأخرى عند نقطة ميتة».