موسكو | ترجّل أخيراً سكرتير الحزب الشيوعي الروسي، غينادي زيوغانوف، عن المنافسة على رئاسة روسيا. الرجل الذي خاض معارك إعادة البلاد إلى النمط الشيوعي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، قرر، بعد أربع محاولات فاشلة للوصول إلى الكرملن، التنحّي وعدم خوض انتخابات 18 آذار، وتسليم الراية إلى بافيل غرودينين، غير الحزبي، في خطوة هي الأولى في تاريخ الحزب الشيوعي.

خطوة «الشيوعي» بتبنّي أسماء من جيل السياسيين الجدد، رأى فيها مراقبون محاولة من الحزب لتوسيع قاعدة الجذب السياسي لهم، وجذب شريحة جديدة من الناخبين بعدما أصبح التأييد الأساسي للحزب يقع في فئة عمرية كبيرة وتشارف على الاختفاء، وهذا ما عبّر عنه صراحة زيوغانوف بتأكيده أن حالة اللامبالاة لدى الناخبين، الآخذة في التزايد، بحسب الكثير من المحللين المستقلين، تمثّل الآن «أكبر كارثة لروسيا».
غرودينين (مواليد 20 تشرين أول 1960 في موسكو) متزوج وله ابنان وابنتان، وهو مهندس ميكانيكي يعمل في مجال الزراعة، وحاصل أيضاً على شهادة جامعية في «فقه القانون».

ستالين... زعيم روسيا الأعظم

أطلق بافيل غرودينين على جوزيف ستالين لقب الزعيم الأعظم لروسيا على مدار السنوات المئة الماضية. وأجاب خلال مقابلة صحافية على سؤال وجّه إليه بخصوص ستالين، بالقول: «ستالين هو الزعيم الذي قاد بلدنا نحو الصدارة، وبفضل قوته وحكمته فاز بلدنا في معركة غير متكافئة، في الوقت الذي وقفت فيه أوروبا بأسرها ضدنا، تصدّينا جمعياً لها. لا يمكن تلطيخ اسم ستالين بالقذارة، فهو القائد الأعظم لبلدنا على مدار المئة سنة الماضية. لن يتكرر هذا الزعيم مرة أخرى».


يدير «جمعية لينين التعاونية» في موسكو، التي تعتبر النموذج الوحيد في المدينة من تركة التعاونياتِ الزراعيةِ السوفياتية، وقد تبوّأ مناصب إدارية في بلدية مقاطعة موسكو، ويشغل حالياً عدداً من المناصب العامة؛ فهو عضو في مجلس الخبراء التابع لحكومة الاتحاد الروسي، ونائب رئيس اللجنة المعنيّة بتطوير المجمع الصناعي الزراعي لغرفة التجارة والصناعة في الاتحاد الروسي.
نتيجة لأعماله الناجحة، حصل غرودينين على العديد من الجوائز التكريمية، منها جائزة «أفضل موظف زراعة في الاتحاد الروسي» في عام 2001، لإنجازاته كرئيس لـ«جمعية لينين التعاونية» التي تم اختيارها من بين أفضل 300 شركة زراعية في روسيا، وأدرج غرودينين في تصنيف أفضل ألف مدير في روسيا منذ عام 2002. كذلك حصل على جائزة أفضل مدير عام في عامي 2005 و2010.
يقول عن تجربة «التعاونية الزراعية» إنه «من مجموع الأراضي الزراعية في محيط مدينة موسكو لم يتبقّ سوى التعاونية الزراعية القريبة من الكرملن، وهي تعاونية لينين المزودة بأحدث التقنيات... هذا نموذج يجب أن نعمل جاهدين لكي يطبّق في كل روسيا... وهذه هي مهمتنا».

بوتين لا يعرف قيادة البلاد!

يحسب لـ«الشيوعي» اختياره لغرودينين كمرشح الحزب، وهو للمفارقة رجل أعمال مليونير، ويفخر علناً بثروته، ويرفض العقيدة الشيوعية الأساسية، ويُعتبر نموذجاً للمسؤول القدير ذي التجربة الناجحة في قيادة مؤسسة إنتاجية.
سكرتير الحزب الشيوعي أوضح أن المحادثات بشأن اختيار مرشح واحد بين كتلة القوى ذات التوجه الاجتماعي والقوى القومية الوطنية جرت على مدار العام الماضي. ويعلل الشيوعيون اختيارهم لغرودينين بثقتهم بقدرته على جذب تصويت الشباب، باعتبار مرشحهم نموذجاً لرجل اقتصادي يؤمن بالمبادئ الاجتماعية التي توفر للشعب فرصة حياة جيدة.
وأعرب غرودينين عن امتنانه لمؤتمر الحزب الشيوعي الذي رشحه لانتخابات الرئاسة عنه، وقال «نحن تكتل الشيوعيين وغير الحزبيين الذي كان يقود بلادنا دوماً نحو المستقبل ونحو انتصارات عظيمة»، مؤكداً أنه يؤيد برنامج الحزب الانتخابي بالكامل.
غرودينين الذي اختار عنوان «من أجل الجميع» عنواناً لحملته الانتخابية، أكد أن أحد أهداف برنامج عمله الذي حمل عنوان «20 خطوة»، إذا فاز بالرئاسة، تتلخص «بإيجاد فرص عمل لجميع الشباب، وبأن تكون الرواتب متناسبة مع مستوى المعيشة، وبأن تعمل الحكومة على توفير المساعدات للأسر الشابة»، داعياً أنصاره إلى التصويت له من أجل «مستقبل مشرق في روسيا». وأضاف «آمل أننا قادرون على تغيير العالم نحو الأفضل، وجعل روسيا أغنى».
كانت لغرودينين تجربة في حزب «روسيا الموحدة» ــ حزب الكرملن ــ حتى عام 2010، واشتهر بانتقاداته الصريحة للنظام السياسي والاقتصادي، لكنه كان يتجنّب انتقاد بوتين، إلا أنه أخيراً وجّه انتقادات مباشرة للرئيس. وأكد في إحدى جولاته الانتخابية أن «الاقتصاد انهار في عهد بوتين والفساد في تزايد مستمر. إنه (أي بوتين) لا يعرف كيف يدير الدولة بطريقة صحيحة تقودها إلى مسيرة صحيحة وتؤدي إلى نهضة الدولة، والتي من أهدافها المنشودة وأهمها رفاهية المواطن».
ومؤخراً هاجم غرودينين السلطات التي «خشيت من ترشّحي عن الحزب الشيوعي والقوى الشعبية الوطنية الروسية»، بحسب رأيه، على خلفية ما تم تداوله في وسائل إعلام عن 13 حساباً مصرفياً في الخارج لم يصرّح عنها في الكشف المقدّم للجنة الانتخابات المركزية عن دخله.
وسخر من الأمر بالقول: «اكتشفتُ أشياء عن تفاصيل حياتي لم أعرفها سابقاً»، مستنكراً إطلاق لقب «أوليغارشي» عليه، على رغم أن «أحداً في روسيا لا يؤمن بأن عائلته أغنى من عائلات كسينيا سوبتشاك، وفلاديمير جيرينوفسكي، وبوريس تيتوف، وعائلة الرئيس الحالي فلاديمير بوتين».

برنامج انتخابي... بنفس اشتراكي

يرفع غرودينين في حملته شعارات مثل «العدالة... الوطن... الشعب» و«الشعب العظيم يستحق أن يعيش في دولة عظمى». ينتقد خطط الكرملن الاجتماعية، ومنها رفع سن التقاعد، ويشدد على أن الروس يرفضون ذلك، لأنه بذلك «كأنهم يقولون إن روسيا ليس فيها أموال. وهذا حديث لا يليق بدولة لديها الكثير من الموارد الطبيعية والبشرية».
كذلك أكد غرودينين أن محاربة الفقر ستشكل محور حملته الانتخابية، مشدداً في كلمته أمام مؤتمر الحزب الشيوعي على أن مواجهة الفقر في البلاد مهمة يمكن تحقيقها، لكن ذلك يتطلب شروطاً عدة، وفي مقدمتها إنشاء «مجلس دولة»، يناقش قرارات الرئيس الروسي ويقي الدولة اتخاذ خطوات غير مدروسة «من شأنها إفساد حتى الفكر الأفضل». وأوضح أن ذلك يتحقق أيضاً من خلال «التعليم المجاني والخدمات الطبية المجانية وتقديم امتيازات اجتماعية للمتقاعدين ونواد مجانية للأطفال». وأكد أن الأهم في مكافحة الفقر هو «أن يعيش جميع المواطنين الروس في كرامة، وليس العيش في نكد».

يفخر علناً بثروته ويرفض العقيدة الشيوعية الأساسية


ويقول في هذا الإطار إن «الأولوية ستكون رفاهية الجماهير... سنضع ثروة روسيا والموارد الطبيعية والصناعية والمالية لخدمة الشعب».
اشتراكية» برنامج غرودينين واضحة في مفاصل برنامجه الانتخابي، فهو يشدد على أنه «لولا انتهاك الأفكار الاشتراكية وتغيير مسار تطورنا، لكنّا عشنا جميعاً مثلما نعيش في مزرعتنا الحكومية»، في إشارة إلى تجربة «تعاونية لينين» الناجحة التي يديرها، والقائمة على شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.
ومن بين النقاط المهمة في برنامج غرودينين الانتخابي «تغيير الاستراتيجية الاقتصادية» و«استعادة السيادة الاقتصادية لروسيا». ومن أولوياته تأميم القطاعات الاستراتيجية وقطاع الصناعة، والطاقة الكهربائية، والسكك الحديدية، والاتصالات، والبنوك الرائدة. ويقول: «ستستعيد الدولة احتكار إنتاج الكحوليات بالجملة».
وفي حال فوزه في الانتخابات الرئاسية، يعتزم غرودينين «تقييد الوصول إلى رأس المال المضارب الأجنبي في السوق الروسية... وقمع انسحاب رؤوس الأموال إلى الخارج، وتركيز كل الأموال المتاحة للاستثمار في الإنتاج المحلي وفي المواطن الروسي».
وكانت لغرودينين شعارات مناهضة لبرامج الحكومة الاقتصادية، عبّر عنها صراحة في خطاب في «المنتدى الاقتصادي ــ موسكو 2010»، وانتقد فيه سياسات الحكومة العامة، من نظام الحوكمة والنظام الضريبي الحالي والتقصير في دعم الزراعة والقطاع الخاص بشكل عام والفجوة الفادحة بين الأغنياء والفقراء في روسيا الاتحادية، وكذلك انخفاض كفاءة الاقتصاد الروسي في المقام الأول من حيث آفاق التنمية.
يرى غرودينين أن إمكانات تطوير الاقتصاد الروسي تقوم على خلق ظروف النمو الاقتصادي، والانتقال إلى تمويل القطاع الخاص المباشر، ودعم المزارعين والتعويض عن تنمية الأعمال التجارية. ويعطي مثال على خططه، الاقتصاد الناجح في فنلندا والسويد وفرنسا، حيث تربط عناصر السوق بشكل كاف مع الأفكار الاشتراكية، والمبادرة الخاصة في هذا المجال تدعمها الدولة وتعزز نمو الأرباح. ويشدد على أن تطوير القطاع العام والخدمات الحكومية سيسهمان في تنمية الدولة والمجتمع ككل.

مرشح لرئاسة الوزراء؟

الصحافي الشهير أندريه بابيتسكي، وفي مقال نشره في «فزغلياد» بعنوان «ترشيح غرودينين أعاد تنشيط الفكرة اليسارية»، نقل عن يوري بولديريف، وهو النائب السابق لرئيس غرفة المحاسبة في روسيا، عدم استبعاده وجود مصلحة لجزء معيّن من قيادة البلاد في بعض الدعم لأمثال غرودينين. ويعطي حجة بأنّ «هناك حاجة واضحة إلى قطب يساري لامع، ملائم، ذكي وناجح. ويمكنه، عن بعد، ضبط التطورات في الاقتصاد، مذكّراً الدولة ليلاً ونهاراً بالتزاماتها الاجتماعية».
ويضيف بولديريف أن «بوتين رجل توازن وتناسب، ويضمن التوازن بين المصالح الأكثر تنوعاً التي تحدد حياة البلد وجدول أعماله السياسي. وأعتقد أن من الصعب، من هذا المنطلق، أن يطرح (أي غرودينين) وجهة نظر متطرفة، حتى لو حظي بتأييد عشرات الملايين من الناس... وعلى الرغم من أنه ينتمي إلى الناس ذوي التوجه اليساري إلى حدّ بعيد، لكنه هو في الوقت نفسه مقتنع باقتصاد السوق».
ورشح بولديريف غرودينين للترشح لرئاسة الحكومة الأولى في عهد بوتين في حال حصوله على تأييد جدّي في الانتخابات الرئاسية، وهو ما تظهره أغلب نتائج الاستطلاع التي رشّحت غرودينين للحصول على 7% من أصوات الناخبين، ليحلّ في صدارة الملاحقين لبوتين.




«لن نوجد في سوريا»

شدد بافيل غرودينين، خلال لقاء انتخابي في مدينة نوفوسيبيرسك، على ضرورة انسحاب القوات الروسية من سوريا بشكل كامل. وأضاف أنه «ما ينبغي القيام به بشأن سوريا، هو إنهاء مشاركتنا في الحرب، لأننا أناس محبّون للسلام». وتساءل: «لا أفهم ماذا نفعل هناك وما هي مصالحنا هناك. وبالطبع يجب أن نساعد الأصدقاء، ولكن لدينا مواقف انتقائية في سياستنا الخارجية. فقد تخلينا عن ليبيا، مثلاً، وسوريا لم نتخلّ عنها».
وعلى صعيد آخر، كشف غرودينين أنه في حال أصبح رئيساً لروسيا، فسيعترف رسمياً باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين المعلنتين في شرق أوكرانيا منذ عام 2014.