موسكو | «إني أعلم تماماً استحالة فوزي بالانتخابات، ما دام بوتين ينتصر دائماً». بهذا الإدراك تخوض كسينيا سوبتشاك، سباق الانتخابات الرئاسية الروسية. ولكن قناعة سوبتشاك الراسخة لم تمنعها من مقارعة النظام بهدف أن تظهر للناس أن هناك وجهة نظر أخرى.

تنطلق المذيعة التلفزيونية المشهورة والمثيرة من رصيدها وحضورها على امتداد البلاد خلال الفترة الماضية لتقدم نفسها للجيل الشاب كـ«مرشحة ضد الجميع»، بحسب ما عُرفت يوم أعلنت ترشحها.
سوبتشاك المولودة في 5 تشرين الثاني 1981، تحمل شهادة الماجستير في العلوم السياسية من معهد موسكو للعلاقات الدولية، التابع لوزارة الخارجية، وتنحدر من بيت سياسي له مكانة وحضور في روسيا. والدها السياسي المعروف الراحل أناتولي سوبتشاك، أوّل عميد لمدينة سان بطرسبرغ بعد أفول الاتحاد السوفياتي، ويُعَدّ العرّاب السياسي للرئيس فلاديمير بوتين، الذي عمل مساعداً له. أما والدتها لودميلا ناروسوفا، أستاذة تاريخ، فهي عضو في المجلس الفدرالي (مجلس الاتحاد) الروسي، وهو أحد مجلسي البرلمان الروسي بجانب «الدوما». لكن على عكس اهتمام عائلتها بالسياسة، ودراستها للعلوم السياسية، إلا أن سوبتشاك اختارت طريقاً مختلفاً بدخولها عالم الإعلام، مستندة إلى جمالها البارز، إضافة إلى ثقافتها الجيدة. وخلال 13 سنة من العمل الإعلامي، قدمت سوبتشاك العديد من البرامج التلفزيوينة واشتهرت كنجمة تلفزيون الواقع، إضافة إلى دخولها عالم التمثيل والغناء. ويقول البعض إن شهرة سوبتشاك التلفزيونية وبروزها في فترة قياسية لم يكن ليحصل لولا دعم الكرملن وواسطته، ويعيد البعض السبب في ذلك إلى رد جميل من بوتين لوالدها الذي يرى فيه الرئيس الروسي «شخصية مميزة في تاريخ روسيا الحديث» و«إنساناً نزيهاً جداً، لعب دوراً في مصيري».

المعارض نفالني يتّهم الكرملين بأنّ لديه خطة تقتضي وجود مرشحين أمثالها


اشتهرت كسينيا بلعب دور الصحافية «الخارجة عن السرب» خلال المؤتمرات الصحافية التي يجريها الرئيس بوتين، وذلك من خلال توجيهها أسئلة محرجة إلى «خصمها»، حيال مختلف المواضيع الشائكة، مثل الشيشان وأوكرانيا، وكانت لها مواقف متحفظة في ما حصل في الأزمة الأوكرانية وضم شبه جزيرة القرم في عام 2014.
كان عام 2011 مفصلياً في حياة سوبتشاك، بعدما انضمت إلى صفوف المعارضة الروسية من خلال مشاركتها في الاحتجاجات، رفضاً لـ«تزوير» نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الأول من ذلك العام، بحسب ادعاءات المعارضة، إضافة إلى مشاركتها في الاحتجاجات على عودة بوتين إلى سدة الرئاسة في انتخابات عام 2012.
موقفها السياسي، دفعت ثمنه من خلال التضييق على أعمالها، وابتعادها عن أهم البرامج التي صنعت نجوميتها مثل برنامج تلفزيون الواقع «المنزل ــ 2» الذي يُعَدّ أكثر البرامج إثارةً للجدل في حياتها المهنية، إلا أنها عادت للعمل الإعلامي عبر قناة «دوشت» المعارضة، وقنوات أخرى على الإنترنت.

مرشحة من لا مرشح لهم!

لأنها تجيد لعبة الكاميرا والصورة، اختارت سوبتشاك وسائل التواصل الاجتماعي لتعلن ترشحها رسمياً للانتخابات الرئاسية عبر فيديو قالت فيه: «أنا قلقة جداً على مستقبل بلادي. أتعامل بمسؤولية مع أي خطط في المجال الاجتماعي، وبعدما كنتُ أدرس كل المخاطر المحتملة والمصاعب المتعلقة بهذه المهمة، قررتُ أن مشاركتي في الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون خطوة في الطريق المؤدية إلى التغيرات اللازمة التي تحتاجها بلادنا».
وفي مؤتمر صحافي أقرّت سوبتشاك بأنها ليست سياسية محترفة، ولا تطمح إلى ذلك، إلا أنها عزت سبب ترشحها إلى رغبتها في أن «يُستمَع إلى صوت جيلي في هذه الانتخابات. أريد أن يستطيع الأشخاص الذين من جيلي ولديهم طاقة كبيرة ونشيطون جداً ويرغبون في المشاركة في الحياة السياسية أن يتمكنوا من فعل ذلك». وفي خطاب أرسلته إلى صحيفة «فيدوموستي»، أعلنت فيه نيتها الترشح للرئاسة، أكدت أن مشاركتها في الانتخابات الرئاسية «قد تكون خطوة فعلية نحو إصلاحات تحتاج إليها بلادنا». وفي مقابلة مع صحيفة «الغارديان» البريطانية، قالت: «ليس لدي أي وزن سياسي، وأنا ببساطة لا أملك الحق في إطلاق أي برنامج سياسي»، إلا أنها تريد أن تكون صوتاً «للشعب الذي يريد تدمير النظام الذي يعتبره غير عادل».

شبهة العلاقة مع الكرملن

يقول البعض إن الكرملن أراد وجوهاً معروفة لتزاحم الرئيس بوتين في انتخابات 2018، وذلك لإعطاء العملية المزيد من الإثارة ولجعل المواطنين الروس يهتمون بمجرياتها بحسب ما ذكرت صحيفة «فيدوموستي». الصحيفة الروسية كتبت في الأول من أيلول الماضي أن الإدارة الرئاسية تبحث عن سيدة للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، وأن هناك أكثر من مرشحة لهذا الدور، بينهن سوبتشاك. ونقلت الصحيفة عن مصدر مقرب من الإدارة الرئاسية أن سوبتشاك هي المرشح «الأمثل» لهذه المهمة، لأنها «تمثل المرأة الروسية الحديثة العصرية، فهي ذكية، وبارزة، ومثيرة للاهتمام».
ترشح سوبتشاك لم يلقَ ترحيباً من المعارضة الروسية، ورأى المعارض البارز ألكسي نفالني، الممنوع من الترشح، أن خطة الكرملين تقتضي وجود مرشحين من أمثالها «لأنهم يحتاجون إلى ألعوبة على شكل مرشح ليبرالي».
ويضيف البعض أن سوبتشاك، التي قالت إنها «مرشحة من لا مرشح لهم»، تهدف فقط إلى جذب الأنظار لها من خلال الضجة التي أثيرت حولها بعيد اعلان ترشحها، وأعطوا مثالاً على ذلك كيف أصبحت ضيفة القنوات الرسمية بعد غياب ست سنوات، إضافة إلى الاهتمام الإعلامي الدولي بحسناء روسيا التي تقارع «سيّد الكرملن».
سوبتشاك واجهت هذه التهم والشائعات بالقول إن «السلطات قررت إغراقي بتوددها لي. إنه تكتيك ذكي جداً. إنهم يفعلون كل شيء ليبدو الأمر وكأننا معاً».

«123 خطوة صعبة»

لا تخفي سوبتشاك ميولها وخيارتها الليبرالية، فهي كحال الجيل الذي نشأ على وقع تغير وضع البلاد بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، مأخوذة بالخيارات الاقتصادية التي تعممها التجربة الأميركية.
وإذا كانت سوبتشاك قد أقرت أن لا برنامج سياسياً لحملتها، إلا أنها أعدت مع أعضاء حزب «المبادرة المدنية» الليبرالي المعارض، الذي تبنى ترشيحها، وخبراء مستقلين، بينهم فيتالي شكلياروف، مستشارها السياسي الذي عمل مستشاراً سياسياً للحملة الانتخابية لباراك أوباما وبيرني ساندرز، برنامجاً أطلقت عليه اسم «123 خطوة صعبة» وقسمته إلى محاور «السياسة الداخلية» و«التنمية الاقتصادية» و«السياسة الاجتماعية» و«السياسة الخارجية». ومن أبرز ما جاء في برنامجها الانتخابي: حرمان الدولة السيطرة على المؤسسات؛ تقليل الضرائب على رجال الأعمال وأصحاب المشاريع؛ إلغاء «قانون ياروفوي» (قانون مكافحة الإرهاب في روسيا الذي أُصدر في تموز عام 2016)؛ جعل المحاكم مستقلة؛ السيطرة على ميزانيات المؤسسات الدينية؛ إلغاء جميع القوانين التمييزية على أساس العرق أو اللون أو الدين.
تعتقد سوبتشاك أنه يتعين على روسيا أن تصبح دولة اتحادية ديموقراطية علمانية أوروبية ذات «اقتصاد يحمي حقوق المواطنين وحرياتهم». أما بخصوص الملف الاقتصادي، فدعت إلى «سياسة رفاهية المواطنين».

نافالني

وقدمت سوبتشاك مقترحات اقتصادية، مثل رفع المعاشات للموظفين المتقاعدين بما لا يقل عن 40% من متوسط ​​الأجر، مشددةً على أنه «لا يحق للحكومة والرئيس تجميد المدخرات التقاعدية للمواطنين من دون موافقة البرلمان». وتقول سوبتشاك إنّ ملف التعليم يشكل أولوية لها، وقدمت اقتراحاً بأن ينفق على قطاع التعليم ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
كذلك برزت دعوتها إلى إضفاء الشرعية على زواج المثليين، وهو ما يمثل قطيعة مع النظام القائم الذي يرفض مثل هذه الدعوات. ودعت إلى ضرورة القضاء على التشريعات المقننة لتأسيس الجمعيات المدنية التطوعية للبالغين وحلّها بغضّ النظر عن الجنس والدين، في دعوة صريحة لتأسيس جمعيات مجتمع مدني على عكس إجراءات الكرملن الرافضة لمثل هذه الخطط.
وفي ملف السياسة الخارجية، قالت سوبتشاك إنها ستعطي الأولوية الرئيسية في العلاقات الخارجية لسياسة «السلمية وحسن الجوار» مع الدول الأخرى، مضيفةً أنه يتعين على روسيا «بذل أقصى الجهود لاستعادة علاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والنظر في توقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد».

مواقف ضد الكرملن

في سابقة مثيرة للانتباه، اختارت سوبتشاك مخاطبة الرأي العام الأميركي من واشنطن، في خطوة رأى فيها البعض طلباً لشهرة عالمية إضافية. ومن العاصمة «العدوة» لموسكو أطلقت سوبتشاك تصريحات، لا يمكن «هضمها» بالنسبة إلى الناخب الروسي، فيما تشكّل حلماً للولايات المتحدة. وقالت: «لا أعتبر الولايات المتحدة عدواً لي. وقد وصلت إلى هنا لكي أظهر لكم أن هناك أناساً مستعدين للحوار ومناقشة خلافاتنا وأيضاً حلها»، طالبة مساعدة الولايات المتحدة لحل المشاكل الموجودة في روسيا!
وفي تصريح مثير أيضاً، أكدت سوبتشاك أنها لا ترى في حلف شمال الأطلسي خطراً على روسيا، وذهبت إلى أبعد من ذلك بالقول إن على روسيا الانضمام إلى الحلف، على اعتبار أن ذلك هدف صائب لروسيا وكذلك قبول موسكو بالاتحاد الأوروبي.
كذلك كان لسوبتشاك مواقف داخلية مثيرة، منها ما هو معروف منذ زمن، كموقفها من قضية شبه جزيرة القرم التي تعتبرها «أراضي أوكرانية من وجهة نظر القانون الدولي»، مضيفةً أن حل الأزمة يكون من وجهة نظرها «بإجراء استفتاء عام جديد هناك، يأخذ بالحسبان جميع وجهات النظر».
لا ترى المرشحة إلى «الرئاسيات» في حلف الأطلسي خطراً على بلادها


كذلك أطلقت مواقف داخلية مثيرة بالنسبة إلى الكثير من الروس، فقد وعدت بأن أول ما ستفعله في حال فوزها بالرئاسة أنها ستدفن جثمان لينين المحنط والموجود في متحف صغير قرب الكرملن. وقالت إن جوزيف ستالين «بنى منظومة حكم لم يتمكن غورباتشوف ولا يلتسين من تحطيمها»، ملمحة إلى أن المنظومة الحالية استمرار لما صنعه ستالين.
وعلى الرغم من معارضتها للنظام القائم، إلا أنها تتشارك مع بوتين الموقف نفسه الرافض للثورة وما ينتج منها، وتقول في هذا المجال إن «الطريق الوحيد الجيد بالنسبة إلينا طويل... أعلم تماماً أن الكثير من الناس يريدون التغيير السريع ويرغبون فيه، لكن التحول السريع يحدث فقط في حال الثورة، وأنا ضدها».

دمية لا تفقه بالسياسة!

علق السكرتير الخاص للرئاسة الروسية، ديمترى بيسكوف، على ما تقوم به سوبتشاك بالقول: «ما هي إلا دمية، وإنها لا تفهم شيئاً ولا تفقه في السياسة». وأضاف أن كل ما تقوم به ما هو إلا «ضجة إعلامية لكسب المزيد من الدعم الذي حتماً لن يؤدى إلى نجاح محقق». بدوره، قال الكاتب السياسي، نيكيتا إساييف، إن برنامج سوبتشاك الانتخابي هو «أكثر البرامج سخافة»، وإنه يعبِّر فقط عن «الشخصيات المهمشة سياسياً، والذين يسعون فقط إلى أي ضجة إعلامية».