في هجوم مسلّح، سقطت يوم الأربعاء الماضي مارييل فرانكو (38 عاماً)، وهي عضو المجلس البلدي لمدينة ريو دي جانيرو والمناضلة في «حزب الاشتراكيّة والحريّة». لم يأتِ الاغتيال في سياق عاديّ، إنما يندرج ضمن سياق يشهد فيه اليسار البرازيليّ هجمة يقودها اليمين وحلفاؤه، كانت قد أدت قبل نحو عام إلى عزل رئيسة البلاد ديلما روسيف، وتوريط عدد واسع من القياديّين اليساريّين في قضايا فساد مشبوهة، ومن بين هؤلاء الرئيس الأسبق صاحب الشعبيّة الطاغية لولا دا سيلفا.

لمارييل فرانكو مسيرة لافتة، وخصوصاً بعدما نجحت في عام 2016 في دخول المجلس البلديّ لمدينة ريو (إذا بدا الأمر عاديّاً للوهلة الأولى، فإنّه ليس كذلك لأنّ فرانكو جمعت في شخصها عناصر تسير عكس المسار التقليديّ لصناعة السياسيّين في البلد). لكن «الوصول»، بدا في نهاية المطاف أسهل من البقاء فيه.
تنحدر فرانكو من أحد أفقر «فافيلاز» المدينة، وهي إلى جانب كلّ ذلك سوداء البشرة، ولم يكن وصولها إلى تلك المكانة سهلاً. بدأت تعلُّم السياسة في كنيسة الحيّ ضمن موجة «لاهوت التحرير»، وكافحت لتواصل تعليمها بمنحة جامعيّة. داخل المجلس البلديّ، سعت مارييل فرانكو إلى صياغة برامج تخدم أبناء طبقتها ومنطقتها وجنسها المضطهد (في حوار أجرته معها جريدة «برازيل دي فاتو» قبل أسبوع من اغتيالها، اعتبرت المرأة أنّه بفتح نقاش عموميّ حول «النسويّة، والجندر، والعنصريّة يصير الأمر مهمّاً ويُحدث تغييراً»).


أحدث الملفات التي عملت عليها فرانكو كان القمع في «الفافيلاز»، حيث تولت منصب مقررة للجنة تحقيق بلديّة في اتهامات السكان لقوات الأمن، ذلك أنّ أمن المدينة وقوات الإطفاء وحتى السجون صارت منذ منتصف الشهر الماضي تحت سلطة الجيش بقرار فيدراليّ من الرئيس ميشال تامر. ويرتبط عمل فرانكو ضمن اللجنة وظهورها الإعلاميّ، باغتيالها، إذ أشارت تقارير إعلاميّة إلى أنّ الرصاص الذي استُهدفت به جرى اقتناؤه في الأصل لمصلحة قوات الأمن في مدينة برازيليا، فيما ردت وزارة الداخليّة على ذلك بالقول إنّ الرصاص سُرِق من أحد مراكزها. وفي تصريح إلى جريدة «ليبيراسيون» الفرنسيّة، قال زيكا بورغيس، وهو رئيس منظمة تعنى باستقبال مظالم ضحايا العنف الأمنيّ، إنّ فرانكو كانت «تحقّق في عمليّات اغتيال ارتكبها على ما يبدو أمنيّون لإزاحة أناس يعرفون حول أفعالهم أكثر مما يجب».
ويأتي الاغتيال أيضاً في فترة حرجة يعيشها اليسار البرازيليّ، شهدت أزمة طاولته من القمة إلى القاعدة. فبعد وصول «المدّ الورديّ» إلى البلاد عام 2003 بانتخاب لولا دا سيلفا رئيساً، شهدت خليفته ديلما روسيف «انقلاباً دستوريّاً» أطاحها، وشهد لولا نفسه محاكمة هدفها الأهم منعه من الترشّح في الانتخابات المقبلة، ويُضاف إلى ذلك محاكمة عدد من المسؤولين المحليين والجهويّين اليساريّين بتهم مماثلة.
خلف روسيف في الرئاسة نائبها ميشال تامر، وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة مثيرة للسخرية والمرارة، وهي انتماؤه إلى «حزب الحركة الديموقراطيّة البرازيليّة» الذي وصل طوال تاريخه إلى الرئاسة ثلاث مرات، جاءت كلها نتيجة سحب الثقة من الرئيس الأصليّ أو بعد وفاته، وفشل في أربعة انتخابات متتالية في الفوز بالرئاسة، ما يجعل عبارة «فشل اليسار» محض نكتة سمجة. وتعمل حكومة تامر النيوليبراليّة على خصخصة قطاع النفط وقطع المخصصات الاجتماعيّة للفقراء، أما إنجازاتها الأكبر فهي تغيير قانون العمل ورفع سنّ التقاعد، ما أدى إلى إضراب عام هو الأوّل منذ عقدين وشمل حوالى 35 مليون مضرب في نيسان العام الماضي.
في خضمّ هذه الإجراءات المتسارعة، تتهيّأ البرازيل لانتخابات عامّة في تشرين الأوّل المقبل. المشكلة بالنسبة إلى تامر ومعسكره هي أنّ لولا، رغم متابعته قضائيّاً، لا يزال متصدراً لنيات التصويت، وفي حال خوضه الانتخابات فإنّه سيفوز بها لا ريب. يرتبط الأمر بالنسبة إلى الساحة السياسية البرازيليّة برهان: إمّا أن تُراجع المحكمة العليا القرار الذي أيدته محكمة الاستئناف في حقّ لولا بالسجن لـ 12 عاماً، أو يمنع من الترشّح ويبقى السباق خالياً من اليسار القادر على المنافسة. لكن مهما يكن الحال، تبقى الحالة البرازيليّة درساً في المدى الذي يمكن أن يتخذه الصراع بين حركة شعبيّة لا تملك شيئاً بخلاف الدعم الشعبيّ، وبين طغمة مستعدة لكلّ شيء حتى تثبّت حكمها، من النزاعات الدستوريّة... وصولاً إلى الاغتيال.