موسكو | دأبت الأدبيات الغربية على مهاجمة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، انطلاقاً من حسابات الغرب مع روسيا الحديثة التي أرسى أسسها بوتين منذ تسلّمه مقاليد الحكم. وامتلأت حملة الهجوم باتهامات كثيرة لبوتين على خلفيات عدة، ابتداءً بالنزاع «الدائم» مع «حلف شمال الأطلسي»، وحرب الشيشان، وجورجيا، وأوكرانيا، وليس انتهاءً بموقفه من الأزمة السورية، حيث كان سداً منيعاً أمام تدمير الدولة السورية. وقد كيل في سبيل ذلك عددٌ من الألقاب بحق بوتين، أبرزها أنه ديكتاتور يلبس لبوس الديموقراطية بعدما فاز عبر اقتراع مباشر في انتخابات رئاسية، هذا من جانب الغرب، لكن مهلاً، ماذا عن نظرة الروس إلى رئيسهم؟ كيف يراه مؤيدوه ومعارضوه؟

لا يختلف اثنان في روسيا على أن بوتين أجاد اللعب بسلاح الإعلام لترسيخ صورته لدى الرأي العام، صورة كان سيدها ولاعبها ومخرجها، فهو الرياضي حيناً، والصياد حيناً آخر. هو المتشدد في تحقيق مصالح الدولة، والمتعاطف مع مواطن لحق به غبنٌ ما على يد مسؤولين محليين. «الرجل النحيف» الذي دخل الكرملين عام 1999 نجح في تطويب صورته على أنه منقذ روسيا، وهذا الأمر أيضاً لا يختلف اثنان على أنه تمكن من تحقيقه على صعد مختلفة. لذلك وضع البعض بوتين بين مصاف عظماء روسيا مثل لينين وستالين، فتجد صورته محفورة على اللعبة الروسية الشهيرة «ماتريوشكا»، كما تجدها بكادرات مختلفة على كنزات تباع ويلبسها عدد كبير من المواطنين.
خلال العيش في هذه البلاد يسهل اكتشاف أن لبوتين محبة كبيرة لدى شعبه، والأرقام التي أكدت ارتفاع شعبيته إلى 80% وأنه خيار 76.6% من الذين اقترعوا له في الانتخابات الرئاسية ليست مبالغة ولا لعبة من السلطات. ومن يُرد التحقق، تحديداً من الغرب «الديموقراطي» ومن «الليبراليين العرب»، فما عليه سوى المجيء إلى روسيا والتحقق من ذلك على الأرض.

يأخذ معارضو الرئيس الروسي عليه «العزلة الدولية» والإخفاق الداخلي


يأخذ كثيرون بالحسبان خلال تقييمهم تجربة بوتين في الحكم عدداً من العوامل، وينطلقون في ذلك من إرسائه أسس الدولة الحديثة القوية ذات الهيبة بعد أن فقدت خلال عشرية الرئيس الراحل بوريس يلتسين هيبتها وأصبحت في طابور الدول المارقة. بالحديث عن يلتسين، أرسى بوتين أيضاً صورة الرئيس القوي القادر، على عكس يلتسين «السكّير» والكسول والتابع. إضافة إلى ذلك، ساهمت الإنجازات التي حققتها البلاد في الفترتين الرئاسيتين بين 2000 ــ 2008 على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي في تعزيز حضور الرجل وشعبيته بين شعبه.
مثلاً، يقول طالب الصحافة في جامعة موسكو الحكومية ألكسي كوزلوف، إنه انتخب بوتين رئيساً بسبب ثقته بقدرة الرئيس على «قيادة البلاد نحو المستقبل بناءً على تجربته خلال ولاياته السابقة». أما أوليغ سافينكو، وهو طالب ماجستير في العلوم السياسية، فيقول إنه أيد بوتين لأنه «رئيس قوي أعاد إلى روسيا حضورها في العالم»، مستدركاً: «كان يلتسين رئيساً ضعيفاً وواهناً، وهو ما سمح للعالم، وتحديداً الولايات المتحدة، بأن تفرض ما تريده على روسيا وعلى العالم، أما بوتين، فهو رئيس قوي ذو حضور كاريزماتي... أعادها (روسيا) قطباً مسموعاً وذا شأن في فرض سياسات تراها موسكو مناسبة كما حصل في سوريا وأوكرانيا».
يضرب سافينكو مثالاً قريباً مما يجري من أزمات بين الغرب وروسيا، آخرها الأزمة مع بريطانيا، التي رأى أنها «خطوة غبية من لندن ساهمت في التفاف كبير من المواطنين الروس حول رئيسهم، لأن الروس في هذه الحالات تتغلب عليهم العصبية القومية ويرفضون أيّ مسّ ببلادهم». كذلك، أكدت الطالبة إلينا تاتاركوفا، القادمة من مدينة سيفاستوبل في جزيرة القرم، أنها انتخبت بوتين «لأن ما أُنجز في القرم خلال 4 سنوات عقب عودتها إلى روسيا لم نكن لنراه في سنوات أطول».
الأستاذة الجامعية إيرينا خافرونينا توضح بدورها أنها عايشت 3 مراحل تاريخية في روسيا، من غورباتشوف إلى يلتسين انتهاءً ببوتين، لتشرح أنه انطلاقاً مما عايشته «يمكنني القول إن بوتين كان أفضل من عمل لمستقبل هذه البلاد». وتضيف: «بوتين أعاد روسيا إلى الخريطة العالمية كدولة قوية، يكفي أن نعطي مثلاً بالسياحة العالمية، كانت وجهة الروس منحصرة في تركيا ومصر وبعض دول الاتحاد السوفياتي في بداية الألفية، أما لاحقاً وحتى قبل الأزمة الأوكرانية، فتغيرت الخريطة بسبب قوة جواز سفر الروسي».
في المقابل، ثمة اعتراضات تسجل بين حين وآخر، وحجة أصحابها أن البلاد تعيش «عزلة دولية» بسبب خيارات الكرملين في أوكرانيا تحديداً، بجانب أزمة اقتصادية كبيرة. ويرون أيضاً أن الحكومة أخفقت داخلياً، وأعطوا أمثلة عن استشراء الفساد الذي يقف عائقاً أمام تقدم البلاد. تعقّب خافرونينا على هذا الجانب بالقول: «الفساد في روسيا ليس استثناءً مما هو موجود في العالم، نجح بوتين في الحد منه قليلاً ولم يقض عليه كلياً، وهذا ما يؤثر في الناس ونرى عواقبه تحديداً بتدني المرتبات».
مع ذلك، يأمل مؤيدو الرئيس أن ينجح بما وعد بإنجازه في خطابه للاتحاد الأخير، الذي قدم فيه خططاً اقتصادية واعدة، خاصة توفير فرص عمل أكثر للشباب، والسكن المناسب، بجانب تحسين البنى التحتية في المدن البعيدة عن العاصمة موسكو على طريق تطوير الأقاليم الأخرى.