باريس | لأول مرة في تاريخ فرنسا، تم وضع رئيس جمهورية سابق، وهو نيكولا ساركوزي، في السجن الاحتياطي، بتهمة الفساد. وقد اتخذ القضاء هذه الخطوة غير المسبوقة، على نحو مفاجئ صباح أمس، اثر استدعاء ساركوزي لسماع أقواله، تمهيداً لمثوله أمام قضاة التحقيق في «المكتب المركزي لمكافحة الفساد والمخالفات المالية والضريبية» في ضاحية «نانتير»، غرب باريس.

سجن ساكوزي، رهن التحقيق، قد يستمر 48 ساعة، كحد أقصى، سيتم خلالها سماع أقواله وتوجيه التهم إليه رسمياً بالفساد وتلقّي رشى من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، ثم ستعود إلى قضاة التحقيق صلاحية إطلاق سراحه، في انتظار المحاكمة، أو إبقائه رهن الاعتقال، وفق ما تقتضيه تطورات التحقيق.
وكانت تهم الفساد وتقاضي أموال غير شرعية من قبل النظام الليبي السابق، لتمويل حملة ترشيحه إلى الرئاسة، التي فاز بها عام ٢٠٠٧، تلاحق ساركوزي منذ خمس سنوات. وسبق للقضاء أن استدعى عدداً من مساعديه المقربين، ومنهم رئيس ديوانه كلود غيون. لكن المحققين أحجموا، حتى الآن، عن استجواب ساركوزي في هذه القضية، على الرغم من شبهات الفساد القوية التي تحوم حوله، وبالذات منذ أن كشفت صحيفة «ميديا بارت»، في شباط/ فبراير ٢٠١٢، عن وثيقة سرية ليبية تشير إلى أن القذافي قدّم أموالاً غير شرعية لساركوزي عام ٢٠٠٦، حيث كان آنذاك وزيراً للداخلية في حكومة فيليب دوفيلبان، وذلك من أجل تمويل حملة ترشيحه إلى الرئاسة.
تلك الوثيقة التي حملت توقيع رئيس جهاز استخبارات القذافي، موسى كوسا، كان لها وقع القنبلة في الأوساط السياسية الفرنسية، وخاصة أنها كُشفت في خضم حملة انتخابات الرئاسة التي كان ساركوزي يسعى خلالها للظفر بولاية ثانية، لكنه انهزم أمام فرانسوا هولاند. وللحدّ من الانعكاسات السياسية والانتخابية لتهم الفساد التي تضمنتها تلك الوثيقة، لجأ ساركوزي، في سابقة هي الأولى من نوعها، إلى رفع دعوى قضائية ضد صحيفة «ميديا بارت»، متّهماً إياها بنشر وثيقة مزورة.
الدارج في الأعراف السياسية الفرنسية أن رئيس الجمهورية يمتنع، طوال فترة توليه الحكم، عن تقديم أي شكاوى قضائية ضد منتقديه، كموقف أخلاقي يوازن «مبدأ الحصانة» الذي يحمي الرئيس من أي متابعات قضائية خلال توليه الحكم. لكن ساركوزي أخلّ بتلك القاعدة، معتبراً أن «الجرم» الذي ارتكبته «ميديا بارت» بنشرها وثيقة مزوّرة، وفق مزاعمه، من شأنه أن يؤثر على سير حملة انتخابات الرئاسة. بالتالي، رأى أن صدقية الوثيقة المذكورة يجب دحضها في الحين ولا يمكن الانتظار إلى فترة مغادرته «الإليزيه». لكن غرفة الجنايات الصحافية في محكمة باريس، أصدرت في حزيران/ يونيو ٢٠١٦، بعد معركة قضائية حامية دامت أربع سنوات، حكماً أثبت صحة الوثيقة، وبرّأ «ميديا بارت» من تهمة التزوير.
لم تكد تمضي خمسة أشهر على خروجها منتصرة من تلك المعركة القضائية الفريدة من نوعها بين صحيفة فرنسية ورئيس جمهورية سابق، حتى وجّهت «ميديا بارت» ضربة قاصمة أخرى إلى ساركوزي، أدت إلى تقويض مطامحه في خوض معترك الانتخابات الرئاسية مجدداً. ففي صباح ١٢ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٦، وقبل ساعات قليلة من المناظرة الفاصلة في الانتخابات التمهيدية بين مرشحي اليمين الفرنسي لانتخابات الرئاسة، نشرت الصحيفة الإلكترونية المشاكسة، التي يديرها إيدوي بلانيل، شريط فيديو مدوياً أفضى إلى إقصاء ساركوزي نهائياً من الساحة السياسية. شريط اتخذ شكل حوار مصوّر مع تاجر السلاح اللبناني الشهير زياد تقي الدين، شرح فيه الأخير بالتفصيل كيف نقل ٣ حقائب مالية، بما مجموعه أكثر من ٥ ملايين يورو، من التمويلات غير الشرعية الليبية، التي قال إنه سلّمها إلى ساركوزي في مكتبه في وزارة الداخلية، في حضور مدير ديوانه آنذاك، كلود غيون.
لكن أكثر من سنة كاملة مرّت على تلك الاعترافات المدوية، من دون أن يوجه المحققون أي استدعاء رسمي الى ساركوزي الذي اكتفى بتكذيب مزاعم تقي الدين إعلامياً، واصفاً إياه بأنه «شخص كاذب، من أصحاب السوابق، سبق أن أدين مرات عدة بتهم الافتراء والإدلاء بتصريحات كاذبة».
ما الذي حدث بالضبط في كواليس التحقيقات القضائية الجارية منذ أكثر من خمس سنوات، بما يبرّر الخطوة التي اتخذها قضاة مكافحة الفساد، على نحو مفاجئ، صباح أمس، باستدعائهم ساركوزي ووضعه في السجن الاحتياطي؟
مصادر فرنسية مقرّبة من التحقيق رجّحت أن المستجدات التي برّرت استدعاء ساركوزي ووضعه في السجن الاحتياطي غير مرتبطة، بشكل مباشر، بالتهم التي وجّهتها إليه «ميديا بارت» عبر الوثيقة المنسوبة لموسى كوسا والحوار المصوّر مع زياد تقي الدين. ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن القرائن الجديدة التي توصّل إليها المحققون مرتبطة بشخص آخر مقرّب من القذافي، غير كوسا، وبتاجر سلاح آخر غير تقي الدين. الأول هو بشير صالح، مدير ديوان القذافي سابقاً، الذي كان أيضاً يدير «الصندوق المالي السيادي الليبي» في عهد النظام السابق. أما الثاني، فهو الفرنسي من أصل جزائري ألكسندر جوهري، وهو تاجر سلاح ووسيط سري مقرّب من ساركوزي.

أكدت مصادر توصُّل المحققين إلى قرائن مرتبطة بشخص آخر مقرّب من القذافي


وكان بشير صالح قد أقام لعدة أشهر، في الفترة التي أعقبت سقوط نظام القذافي، في جنوب فرنسا، ثم تم تهريبه بشكل غير قانوني من البلاد، إثر تلقّيه أمراً قضائياً بعدم مغادرة التراب الفرنسي، على خلفية الشكوك التي أثيرت حول ضلوعه في قضية التمويلات الليبية لساركوزي، وبالأخص بعد اغتيال وزير النفط الليبي السابق شكري غانم، الذي عُثر على جثته في نهر الدانوب، بعد خطفه من بيته في فيينا، في مايو/ أيار ٢٠١٢.
وعاود بشير صالح الظهور في جنوب أفريقيا، بعد أشهر من تهريبه من فرنسا. وحامت الشبهات حول تاجر السلاح ألكسندر جوهري بالضلوع في إخراجه من فرنسا بشكل غير قانوني. وقد وجّه القضاء الفرنسي استدعاءً رسمياً إلى جوهري لاستجوابه في هذه القضية، لكن تاجر السلاح فضّل الفرار الى الجزائر، حيث عاش قرابة عامين ونصف عام في حماية شخصيات تعتبر مقرّبة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كرئيس جمعية رجال الاعمال، علي حداد، الذي رصدت تقارير فرنسية أنه أعار جوهري طائرته الخاصة للتنقل الى جوهانسبورغ خصيصاً للقاء بشير صالح، على اثر حوار أدلى به الأخير لصحيفة «لوموند»، في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، واعترف فيه ضمنياً بصحة ما ورد في أوراق وزير النفط الليبي المقتول شكري غانم، بخصوص تحويل مبلغ ١،٥ مليون يورو من الصندوق السيادي الليبي لحساب ساكوزي بأمر من القذافي.
مع مطلع السنة الحالية، تسارعت الأحداث مجدداً، حيث اعتُقل ألكسندر جوهري في لندن، يوم ٧ يناير/ كانون الثاني الماضي، بناءً على أمر قضائي أصدره بحقه القضاء الفرنسي. وبعد أن أُطلق سراحه بكفالة، بعد خمسة أيام من الاعتقال، عاد القضاء البريطاني وأمر باعتقاله مجدداً، يوم ٢٧ فبراير/ شباط، تمهيداً لتسليمه إلى فرنسا. وسبقت إعادة اعتقال جوهري بأربعة أيام حادثة أثارت الكثير من الشكوك والتساؤلات تمثلت في تعرض بشير صالح لمحاولة اغتيال غامضة في مطار جوهانسبورغ. وبدا واضحاً أن «جهة ما» تسعى للتخلص من كاتم أسرار القذافي، أو ثنيه عن كشف أيّ معلومات من شأنها أن تؤكد تهم الفساد الموجهة إلى نيكولا ساركوزي!