أبلغ ما في صعود جون بولتون، إلى منصب مستشار الأمن القومي، أنّه لم يغب كثيراً عن ناظرَي الرئيس دونالد ترامب، أصلاً، منذ ولوجه البيت الأبيض. فلم يكن على بولتون سوى الخروج من شاشة «فوكس نيوز» اليمينية الصهيونية، التي إلى جانب كونها مضيفه الدائم، هي القناة التي ملكت على الرئيس الأميركي وقته كله إلى حد ذهاب الـ«سي ان ان» إلى المخاطرة بالقول إنّه يتسمّر ٨ ساعات يومياً أمام القنوات التلفزيونية، كي نستنتج بسهولة أنّه يستمدّ معظم آرائه في السياسة الخارجية من تعليقات جون بولتون، المحافظ العائد إلى قلب الإدارة الأميركية بعد عشرة أعوام من الغياب.

لا تفعل عودة بولتون سوى حمل المزيد من المياه إلى طاحونة من يعتقدون أنّ عدم الاستقرار هو أبرز سمات الإدارة الحالية. فحسب دراسة لمعهد «بروكينغز»، جرى تغيير أربعين في المئة من المناصب الاستراتيجية في فترة لم تتجاوز العام الواحد. ويخلف بولتون في المنصب الأمني الأهم في البيت الأبيض، مايكل فلين الذي كان في صلب الفريق الانتخابي لدونالد ترامب، قبل أن يغرب بسرعة، تاركاً المكان للجنرال هربرت ماكماستر الذي لم يعمّر بدوره طويلاً في المنصب.

مخلص إلى جيسي هيلمز

استقرّ الاختيار على بولتون في الأمن القومي أيضاً، لأنّه لن يحتاج إلى المرور عبر مجلس الشيوخ، لنيل الموافقة على تعيينه. وكان بولتون يُعدُّ أقرب المخلصين إلى السيناتور جيسي هيلمز، وهو قطب اليمين الرجعي الأميركي. وهيلمز الذي لم يتردد بالجهر بحنينه إلى عهود الفصل العنصري، بين السود والبيض، هو الذي رعى خطوات بولتون الأولى في إدارة رونالد ريغان أولاً، قبل أن يدفع به في سلّم المسؤوليات في إدارة بوش الابن ثانياً.


تعني عودة بولتون، أولاً، انتهاء مرحلة طويلة من عملية انتقالية من البحث عن انسجام بين الصقور بعد خروج مجموعة كبيرة من الوجوه التي لا تقلّ صقورية عمن احتفظوا بمناصبهم (أو خلفوهم فيها)، تجعل الفريق الجديد أكثر تماهياً بين أفراده ويسهل الحصول على الدعم المطلوب لتنفيذ سياساته دون التردد الذي طبع الأشهر الستة الأولى من عمر الترامبية. وتعني عودة جون بولتون أيضاً، وهو أبرز مُنظّري الحروب الوقائية في إدارة بوش الإبن، وطليعة المحرّضين على الحرب ضد العراق، ابتلاع الرئيس دونالد ترامب لكلّ ما قاله عن هذه الحرب باعتبارها «أسوأ قرار على الإطلاق، كلّف الولايات المتحدة ٤ آلاف مليار دولار دون عائد يُذكر».
من نافل القول إننا إزاء إدارة «بوشية» من دون بوش. فمع تصدّر بولتون الأمن القومي، تستقر أعمدة الإدارة الأميركية الجديدة على تحالف اليمين الأصولي المسيحي مُمثلاً بنائب الرئيس مايك بنس، مع المحافظين الجدد الذي يلمُّ شملهم محافظٌ آخر ومايك آخر، هو وزير الخارجية المُعيَّن مايك بومبيو، إلى نواة الدولة العميقة والعسكرية التي يُشكِّل دائرتها الصلبة وزير الدفاع الجنرال جايمس ماتيس، وكبير موظفي البيت الأبيض الجنرال جايمس كيلي.
لكن البوشيّة العائدة، ترفل في غير زمنها، وفي عالم آخر. فعندما استهلت قيادة أميركا بالأخذ بالقرن الحادي والعشرين، ليكون عصرها وزمنها دون غيرها من الأمم، انتخبت مدخلاً إليه مشروعاً يُحطِّم الشرق الأوسط ليعيد صياغته تحت أعلام أميركا. ولم يذهب الرئيس دونالد ترامب، بعيداً عن أقران الأمس «البوشي»، عندما قام بتدوير الشعار وتحويله إلى مشروع مفتوح على كل الاحتمالات لاستعادة عظمة أميركا. وقد تجمع الشعارات معدّلةً والأسماء نفسها ما بين الإدارتين، ولكن ما يجمعها أيضاً إسمنت يتصلّب بسعير العداوة تجاه ايران، بالأمس كما اليوم، وتنكب طرق الحرب التي باتت تضجّ بأحاديثها أروقة الإدارة الاميركية، في كل مناسبة. بل إنّ هناك من يعتقد داخل الإدارة بأنّ تجميع هذا التحالف وأفراده، سيكون له تأثير كبير على معنويات الخصوم، وميزان القوى مع المنافسين.
لكنّ الفرق الكبير بين العوالم التي عرفت المحافظين الجدد مطلع الألفية الثانية، والأخرى التي بدأ فريق ترامب الأصلي وجنرالاته باقتحامها، أنّها لا تعيش في زمن استراتيجي واحد. فعندما أدار جون بولتون، ودونالد رامسفيلد، وديك تشيني، وغوندوليسا رايس، حروب جورج بوش الابن الفاشلة في أفغانستان والعراق، لم تجد القوة الأميركية العاتية، بعد الحادي عشر من أيلول من يتصدى لها على خريطة القوى الدولية الكبرى. والأنكى أنّ القوة الأميركية أُصيبت بهزائم في كل الساحات التي دخلتها، برغم اقتحامها بلداناً يختلّ ميزان القوى العسكرية والاقتصادية معها بسنوات ضوئية كالعراق وأفغانستان؛ كما لم تشفع لها في السبعينيات قوتها اللامتناهية عسكرياً لتجنب هزيمة قاسية أمام خصم «ضعيف» كفيتنام.
وليس قليلاً أنّ إجماعاً يقومُ بين محللين من مشارب متفاوتة، كالمفكرَين، الفرنسي إيمانويل تود، والأميركي إيمانويل فالرشتاين، على اعتبار أنّ تلك الحروب بالذات، ستؤدّي إلى تسريع انحدار مكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي، وتراجع قوتها. وبعد بضع سنوات من الغرق في وحول الشرق الأوسط، كان مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجنسكي، وبرنت سكوكروفت، يضمان أصواتهما إلى رئيس «مجلس العلاقات الخارجية» ريتشارد هاس، إلى القول إنّ انشغال أميركا في حروبها الشرق أوسطية، فتح نافذة أمام أندادها الكبار، الصين وروسيا، لتلتقط أنفاسها، وتنظم صفوفها، وترتب استراتيجياتها، للعودة بقوّة إلى منافسة أميركا ونفوذها في الساحة الدولية.

انشغال أميركا في حروبها الشرق أوسطية، فتح نافذة أمام أندادها


إدارة باراك أوباما، مثّلت في مرحلتها الأولى إرادة الحدّ تدريجاً من الغرق في صراعات الشرق الأوسط وفضّ الاشتباك «النووي» مع إيران، للتركيز على تحقيق استدارة نحو آسيا، واحتواء الصين والقبول بإعطاء مواقع لقوى دولية أخرى، لتكون الأولى بين متنافسين متساوين في القوة، بحسب المعادلة ــ النصيحة التي صاغها زبغنيو بريجنسكي. لكنّ استمرار الغرب في الاقتراب من الأسوار الروسية، عبر محاولة ضمّ أوكرانيا إلى «الناتو» عام ٢٠١٤، أعاد الصراع مع روسيا إلى سلّم الأولويات الاستراتيجية، معطوفاً على الحربين الليبية والسورية، التي تدخلت في أولهما أميركا مباشرة مع فرنسا وبريطانيا، فيما شنّت حرباً بالواسطة على سوريا، قبل أن تقرر تحويلها إلى ساحة مواجهة مباشرة مع روسيا. كل ذلك لم يسمح بتحقيق الاستدارة نحو آسيا.
يأتي جون بولتون إلى إدارة أميركية استكملت توحيد رؤيتها وعناصر استراتيجياتها وبنيتها الداخلية التي باتت تقوم اليوم على اعتبار أن كلاً من الصين وروسيا عدوّان تنبغي مواجهتهما في وقت واحد، وهذا ما عبّرت عنه تدريجاً ورسمياً استراتيجية الأمن القومي (نهاية العام الماضي)، واستراتيجية الدفاع الوطني (بداية العام الجاري)، والوثيقة النووية (بداية شهر شباط الماضي)، فعززت وعمّقت الشراكة بين الصين وروسيا.
مع تجمّع الصقور الجدد، تستسلم أميركا للإغراء القديم بشنّ حروب كاسحة ضد قوى وبلدان تعتقد أنّها الأضعف في موازين القوى الدولية، لردع الأقوى من الأنداد، ولكبح مسار الانحدار الأميركي. لكنّ إيران ومحور المقاومة الممتد من غزة إلى حدود باكستان، ليسا عراق صدام حسين، كذلك فإنّ روسيا وخلفها الصين، لم تمنع تغيير النظام في سوريا كي تعود فتقبل بتدمير الشرق الأوسط. وإذا كانت مغامرات البوشية قد سرّعت من انحدار القوة الأميركية، فإنّ جموح المغامرة الترامبية قد يحوّل الانحدار في الشرق الأوسط إلى سقوط.