واشنطن | قد يفتح إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعيين جون بولتون مستشاره الجديد للأمن القومي، الباب أمام إنهاء مرحلة التخلي عن العسكريين من مستشاري الرئيس ومساعديه ووزرائه، ليحلّ محلهم أيديولوجيو اليمين الصهيوني الأميركي.

بولتون الذي لم يستطع جورج بوش الابن، في عام 2005، تعيينه في منصب مندوب أميركا الدائم لدى الأمم المتحدة إلا عندما كان الكونغرس في فترة العطلة السنوية، بسبب رفض مجلس الشيوخ الموافقة عليه، قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليسا رايس، لدى إعلانها ترشيحه للمنصب في آذار 2005، إنّ أعظم إنجازاته «تمثلت بتمكنه من إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة مساواة الصهيونية بالعنصرية» في عام 1991.
التغيير في طاقم ترامب للأمن القومي والسياسة الخارجية يأتي في وقت حاسم، إذ يجب اتخاذ قرارات يمكن أن تعيد تشكيل الدور الأميركي في العالم لعقود مقبلة. ففي 12 أيار المقبل يجب أن يقرر ترامب ما إذا كان عليه الالتزام بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وبحلول نهاية الشهر نفسه، هو تعهد بمقابلة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وفي منتصف ذاك الشهر، من المتوقع أن تنقل الولايات المتحدة رسمياً سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

مخلص إلى جيسي هيلمز

استقرّ الاختيار على بولتون في الأمن القومي أيضاً، لأنّه لن يحتاج إلى المرور عبر مجلس الشيوخ، لنيل الموافقة على تعيينه. وكان بولتون يُعدُّ أقرب المخلصين إلى السيناتور جيسي هيلمز، وهو قطب اليمين الرجعي الأميركي. وهيلمز الذي لم يتردد بالجهر بحنينه إلى عهود الفصل العنصري، بين السود والبيض، هو الذي رعى خطوات بولتون الأولى في إدارة رونالد ريغان أولاً، قبل أن يدفع به في سلّم المسؤوليات في إدارة بوش الابن ثانياً.


في ما يتعلق بإيران، فإنّ بولتون ليس فقط من دعاة الانسحاب من الاتفاق النووي، بل هو يقف أبعد من ذلك، إذ يرى أنّ قصف إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي «أمر لا مفر منه». وقال في مقابلة مع مجلة «واشنطن فري بيكون» اليمينية في شهر آب الماضي: «أنا لا أخفي فكرة أنه في نهاية المطاف قد تتطلب (المرحلة) هجوماً إسرائيلياً ضد برنامج إيران النووي لوقفه». أما في ما يخصّ كوريا الشمالية، فكتب مقالة في صحيفة «وول ستريت جورنال» في 28 شباط الماضي، يحثّ من خلالها الولايات المتحدة على استخدام القوة.
بولتون من أبرز رموز المحافظين الجدد الذين يجدون في معهد «أميركان إنتربرايز» اليميني حاضنة. وهو عمل ضمن مجموعة يحلو لمنتقديها وصفها بـ«العصابة»، وهي مجموعة لا تخفي صداقتها واتصالاتها ودعمها اللامتناهي لإسرائيل وتكتّل «الليكود». وتضم هذه «العصابة» ريتشارد بيرل، إليوت أبرامز، بول وولفويتز، دوغلاس فايث، وبيل كريستول، الذين اقترحوا في دراسة على بنيامين نتنياهو في عام 1996 التخلّي عن اتفاق أوسلو و«مبدأ الأرض مقابل السلام» والإصرار على ضرورة اعتراف الدول العربية بحدود ما يسمى «أرض إسرائيل التوراتية»، وأن يجري «التركيز على إطاحة صدام حسين من السلطة في العراق». للإشارة، عقب عام 2003، قارن بولتون بين عملية «القضاء» على الرئيس العراقي ومرؤوسيه، وعملية «محو آثار النازية التي قام بها الحلفاء في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية».
هؤلاء ومعهم العديد من الباحثين في مراكز فكرية يمينية في واشنطن، من أبرزهم روبرت كاغان وديفيد وورمسر، أعدّوا وثيقة «القرن الأميركي الجديد» في عام 1997 التي دعت صراحة إلى تبنّي سياسة «تغيير الأنظمة» في العراق وإيران وسوريا وليبيا ودعم إسرائيل. وأسهم بولتون، أثناء توليه منصبه في الأمم المتحدة، بين 2005 و2006، في تمرير كافة القرارات المناهضة لسوريا وحزب الله في مجلس الأمن.
غير أنّ بولتون قلّل من أهمية تصريحاته العامة السابقة في مقابلة مع «فوكس نيوز»، بعد وقت قصير من إعلان ترامب، وقال إنّه سيرجع إلى قرار الرئيس. وأضاف «لم أخجل أبداً بإبداء وجهات نظري... (لكن) الآن أصبح ذلك ورائي، على الأقل (بدءاً من) يوم 9 نيسان، والشيء المهم هو ما يقوله الرئيس والنصيحة التي أقدمها له». وفي بيان نُشر على «تويتر»، صرّح: «أتطلع إلى العمل مع الرئيس ترامب وطاقمه القيادي في معالجة هذه التحديات المعقدة، في محاولة لجعل بلدنا أكثر أمناً في الداخل وأكثر قوة في الخارج».

اشتهر بولتون بالتحايل، حتى قيل إنّه يحلّل الحرام ويحرِّم الحلال


وفيما لقي تعيين بولتون تأييداً وسط الجمهوريين، فقد لقي معارضة الديموقراطيين. وفي هذا الصدد، أعرب العضو الديموقراطي البارز في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، آدم شيف، عن انزعاجه من تعيين بولتون، وقال: «من الصعب الهرب من الاستنتاج المقلق، أن النزوح الجماعي للعقلاء من الإدارة يعرّض أمن أمتنا للخطر». وأضاف في تدوينة على «تويتر»: «إنّ تفكير السفير بولتون الصقوري والتآمري، سوف يجعل الأمور الخطيرة أكثر سوءاً». أما العضو الديموقراطي في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بن كاردان، فقال إنّ «جون بولتون أظهر طوال حياته المهنية أنه حزبي متطرف ومتهور مع القليل من الاهتمام بالقيم أو بالحلفاء»، معرباً عن قلقه «بشأن ماهية النصيحة التي قدمها للرئيس حتى الآن، وكيف سيستخدم منصبه الرسمي في حرف أمن أميركا القومي في المستقبل».
في عدة مناسبات، دعا الرجل إلى دعم الولايات المتحدة لبرامج «تعاون أميركية إسرائيلية»، وإلى الالتزام بتمويل أميركي في مشاريع الأبحاث والتطوير الإسرائيلية، علماً أيضاً بأنّ بولتون هو أحد مؤسّسي «المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي». سلفه، هربرت ماكماستر، تعاون بشكل جيّد مع نظرائه الإسرائيليين، ولكنه «أغضب البعض» في الجناح اليميني من مؤيدي إسرائيل بسبب التقارير التي تُفيد بأنّه سعى إلى الحيلولة دون اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.


مورتون كلاين، وهو رئيس «المنظمة الصهيونية الأميركية» المتطرفة، وصف «خيار بولتون» بـ«الرائع». وقال في تدوينة على «تويتر» إنّ الأخير «يتفهّم الحرب العربية الإسلامية ضد إسرائيل والغرب»، مضيفاً أنه «وطني وذو فكر واضح ومتحمّس وداعم غير عادي لإسرائيل. لقد أدلى بشهادة إلى جانبي لنقل السفارة، وعارض صفقة إيران الكارثية».
جون بولتون كان يحظى خلال توليه، في بداية العقد الماضي، منصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، بلقب «مجنون مشرف على معمل مفرقعات»، وفق وصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول. كذلك لحقت به نعوت أخرى، وصفه الديموقراطيون بـ«البلطجي».
ولا يقيم الرجل وزناً للقانون الدولي، إلا من زاوية تحقيق أغراض السياسة الخارجية الأميركية. فقد سبق أن قال في عام 1997 إنّ المعاهدات الدولية ليست قانوناً ملزماً للولايات المتحدة، وإنّها ليست سوى ترتيبات سياسية يمكن التحلل منها إلا في حال كانت هذه المعاهدات تخدم المصالح الأميركية. وهو كان من أشد معارضي توقيع معاهدة محكمة الجنايات الدولية.
وكان بولتون قد درس الحقوق في «جامعة ييل»، وأصبح أحد كبار المحامين، واشتهر بقدرته على إيجاد الثغرات في القوانين والأنظمة وكيفية التحايل عليها، ما دفع أحد المفكرين إلى القول إنّ بولتون «يحلل الحرام ويحرم الحلال»، وإنّه لو لم تفتح أمامه أبواب المناصب الرسمية لكان من أشهر وأكبر زعماء المافيا في العالم. لذا، كان سهلاً أن يجد نفسه عضواً بارزاً في أشهر مافيا سياسية يمينية في الولايات المتحدة، يُطلق عليها اسم «حركة المحافظين الجدد».