تؤكد الأطراف الأوروبية في الاتفاق النووي، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، التزامها الاتفاق، وتُذكِّر تصريحات دبلوماسييها بنحو شبه يومي بضرورة عدم الانسحاب، كموقف موحد متفق عليه بين الدول الثلاث، ومُنسَّق مع باقي دول الاتحاد الأوروبي. لكن كثافة الضغوط الأميركية في الآونة الأخيرة، نجحت في دفع الأوروبيين نحو تعديل مسار «المهادنة» مع الجمهورية الإسلامية، ولو من باب البحث عن مخرج قبل شهر أيار/ مايو المقبل، موعد ترامب لمراجعة الاتفاق. المسار الأوروبي الجديد أعقب مباحاثات مكثفة عقدتها الدول الغربية الثلاث مع الأميركيين، خلصت إلى «مبادرة أوروبية» سُوِّق لها في الأسابيع الماضية، وهو ما بدأت تظهر ملامحه بشكل جلي، رغم ضبابية الموقف الأميركي حتى اليوم.

تعتقد كلّ من باريس ولندن وبرلين، وفق هذه المبادرة، أن عقوبات جديدة على إيران، ينضم إليها باقي الشركاء في الاتحاد الأوروبي، من شأنها أن تحلّ محلّ دعوة ترامب إلى تعديل الاتفاق، لكون «إصلاح عيوب الاتفاق» فكرة ترفض إيران مناقشتها، وتُعدُّ بالأصل فكرة غير واقعية من ناحية الإجراءات التنفيذية والقانونية. وقد مهّد الأوروبيون للمشروع الذي من المتوقع أن يُعلَن قريباً، عبر سلسلة تصاريح تؤكد التطابق مع وجهة نظر ترامب حيال إيران، لناحية ملفَّي البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي لطهران، ما يقتضي التعامل مع هذين الملفين بصورة تتجنب الاتفاق. وفي حال نجاح الأوروبيين في إقناع ترامب بالعزوف عن «تمزيق» الاتفاق، والأخذ بالعقوبات البديلة، تكون باريس ولندن وبرلين قد نجحت في الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية مع إيران، التي ولّدها الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية بموجبه، فتتجنّب العواصم الأوروبية الثلاث عودة متوقعة إلى أوضاع ما قبل الاتفاق.

لا تزال طهران على موقفها من أن انسحاب أميركا سيجابَه بانسحاب مماثل


مواصلة التسويق للمشروع أوروبياً من قبل الثلاثي، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تشي حتى الآن باستعداد أميركي لمناقشة الأفكار الأوروبية، وبأن الباب لم يُقفل بعد رغم اقتراب موعد أيار. وهو ما أكدته تسريبات جديدة من دبلوماسيين أوروبيين قالوا إن سفراء الاتحاد الأوروبي ناقشوا في بروكسل فرض التدابير الجديدة ضد إيران. وبحسب ما نقلت «رويترز» عن أربعة دبلوماسيين أوروبيين، أمس، من المتوقع أن يقر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي العقوبات الجديدة على إيران خلال اجتماع لهم في بروكسل الشهر المقبل، وإن كان الموقف الأميركي الذي عبّر عنه موفد الخارجية الأميركية إلى أوروبا، بريان هوك، قبل أيام، لا يزال يتسم بالغموض.
وإذا كان ترامب مصراً على خيار وحيد لتجنب الانسحاب: تعديل الاتفاق، فإن فرص نجاح المساعي الأوروبية لإقناعه بالخيار البديل لا تزال ضئيلة. خيار ترامب القاضي باستبدال الاتفاق، انضم إليه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أمس، تحت وطأة تهديداته الأخيرة بسباق تسلح نووي في المنطقة. ورأى ابن سلمان، في أحدث مواقفه، أن تعديل الاتفاق النووي مع إيران «ضرورة» لمنعها كلياً من حيازة سلاح نووي. فالاتفاق الحالي، بالنسبة إلى الأمير السعودي الموجود في زيارة مطولة للولايات المتحدة، لا يعمل إلا على «تأجيل ذلك». ورأى ابن سلمان أن طهران تسعى إلى الحصول على السلاح النووي، وأن امتلاكها له «سيسمح لها بفعل ما تريده في الشرق الأوسط»، وأما عدم تعديل الاتفاق وانتظار الإيرانيين إلى حين تطوير قنبلتهم «فهو بمثابة انتظار لوصول الرصاصة إلى الرأس»، وفق ولي العهد السعودي.
بالنسبة إلى طهران، لا تعليق صريحاً بعد على الخطوة الأوروبية، التي كانت رفضت الخارجية الإيرانية التعليق على تسريبات سابقة بشأنها. واكتفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، الأسبوع الماضي، بالقول، لـ«الأخبار»، إن «موقفنا المبدئي هو التزام الاتفاق النووي، لكن هذا الالتزام لیس أحادي الجانب وغیر محدود. سنكون ملتزمین الاتفاق ما دام جميع الأطراف، وخاصة الولايات المتحدة والأوروبيين، یلتزمون تعهداتهم»، مضيفاً أن «الاتفاق النووي يقتصر علی البرنامج النووي السلمي الإیراني ولا شيء آخر». بموازاة ذلك، لا تزال طهران تؤكد أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق سيُجابَه بانسحاب إيراني مقابل، وتتمسك بعدم الرضوخ للضغوط الأميركية كما شدد، أمس، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية، كمال خرازي. وأشار خرازي إلى دعم الدول الأوروبية للاتفاق النووي، وفي الوقت نفسه ما سماها «الفرص المتاحة أمام إيران» عند خروج واشنطن عن الاتفاق.