على الرغم من «الاحتفاء» الأميركي المتواصل بزيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي انشغل أمس بالاحتفال بانضمام السوق المالية السعودية إلى مؤشر «فوتسي» للأسواق الناشئة، بما يعكس بحسب وسائل إعلام المملكة «ثقة المستثمرين في الإصلاحات الاقتصادية والمالية وفق رؤية 2030»، إلا أن ذلك لم يمنع تعالي الأصوات الرافضة لـ«تملّق» ابن سلمان، والداعية إلى مواجهته بحقيقة ما تقوم به بلاده على غير مستوى. أصواتٌ تَرافق خروجها مع اتخاذ خطوات مُشوِّشة على «شهر العسل» السعودي ـــ الأميركي، ربما تترك انعكاساتها «السلبية» على الخطط والمشاريع التي سبق لولي عهد المملكة أن أبرم اتفاقات بشأنها، من دون أن يتأكّد ما إذا كانت ستشكّل عقبات حقيقية في هذا الإطار، في ظلّ خسارة المعسكر المناوئ للسعودية معركة الكونغرس الأخيرة بشأن اليمن.

تلك الخطوات تجلّى آخرها ليل الأربعاء ـــ الخميس، مع إعلان القاضي في المحكمة الجزائية الأميركية في مانهاتن، جورج دانيالز، رفضه طلباً تقدمت به السعودية لإسقاط دعاوى تتهم المملكة بالمساعدة في التخطيط لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر، وتطالبها بدفع تعويضات للضحايا. وأكد دانيالز أن مزاعم رافعي الدعاوى، الذين يشملون أقرباء القتلى ونحو 25 ألف مصاب وعدداً من الشركات التجارية وشركات التأمين، «توفّر أساساً معقولاً» لديه لتأكيد الاختصاص بنظر الدعاوى بموجب قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» (جاستا). وشدد على أن في وسع المدعين محاولة إثبات مسؤولية السعودية عن أنشطة إمام مسجد الملك فهد في كاليفورنيا، فهد الثميري، وضابط المخابرات، عمر البيومي، المتهمَين بالمشاركة في الإعداد للهجمات. وأعرب محامو عدد من المدعين عن سعادتهم لقرار دانيالز، «حتى يتسنى كشف الوقائع كاملة، وفضح الدور السعودي في هجمات 11 أيلول»، بينما رفض رئيس هيئة السوق المالية السعودية، محمد القويز، خلال حفل لسوق الأسهم السعودية في نيويورك، الإجابة عما إذا كان قرار دانيالز سيؤثر سلباً على الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة، بدعوى أنه «لم يطلع على الأنباء». وكان الكونغرس الأميركي قد تجاوز، في أيلول/ سبتمبر 2016، حق النقض الذي استخدمه الرئيس (آنذاك) باراك أوباما، لإقرار قانون «جاستا»، الذي يسمح بمقاضاة السعودية على خلفية دورها المفترض في الهجمات الشهيرة.

لمّحت «أمنستي»
إلى أن حملة ابن
سلمان مُتّصفة
بالكذب والنفاق


هذا القانون، الذي يُعدّ واحداً من أربعة مقترحات متصلة بالعلاقات السعودية ـــ الأميركية تم عرضها في الكونغرس خلال السنوات الثلاث الماضية («جاستا» هو الوحيد الذي تمّ تمريره إلى الآن)، لا يبدو من المستبعد أن يتبعه قانون آخر بشأن اليمن، في ظل «وجود استياء عميق ومتزايد من المملكة السعودية» في أروقة الكابيتول (مقر الكونغرس)، على حد توصيف مجلة «فورين بوليسي». وعلى الرغم من أن مشروع «لي ـــ ساندرز»، الداعي إلى وقف الدعم الأميركي لعمليات «التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن، تلقّى هزيمة قبل أيام لدى رفضه من قبل أغلب أعضاء الكونغرس، إلا أن «مشاكل الرياض في مبنى الكابيتول لم تشارف على الانتهاء بعد»، وفق المجلة نفسها. إذ إن احتمال عرض مشروع جديد، «أكثر اعتدالاً»، بهدف «تقييد التفويض الأميركي المطلق» الممنوح للسعودية في اليمن يبقى قائماً. وعند ذاك، لن يكون معلوماً ما إذا كانت الاتصالات السرية والمناشدات العلنية التي استخدمها صقور إدارة دونالد ترامب، سابقاً، لإسقاط «لي ـــ ساندرز»، ستؤتي أكلها، بالنظر إلى أن «المناخ السياسي داخل المؤسسة التشريعية يتحرك في اتجاه عدائي» للرياض، بحسب ما جاء في تقرير «فورين بوليسي».
هذه الصعوبات التي تعترض طريق ابن سلمان، والتي قد تخلّف تأثيرات «غير مرغوبة» على سعيه إلى تكريس بلاده على رأس الوجهات الاستثمارية الأميركية، وإعادة إحياء «العلاقة الاستراتيجية» بينها وبين الولايات المتحدة، توازيها عقبات أخرى لا تقلّ أهمية في ما يتصل بمساعي ولي العهد السعودي إلى «تلميع» صورة حكمه، والتخلص من الصور القاتمة الملازمة له. أحدث تلك العقبات تمثلت في بيان شديد اللهجة صادر عن منظمة العفو الدولية (أمنستي)، تزامناً مع زيارة ابن سلمان لأميركا، أكدت فيه أن «حملة العلاقات العامة المكثفة» التي تقودها السعودية «لن تنطلي على أحد»، داعية المملكة إلى «ألا تخلط بين العلاقات العامة وحقوق الإنسان». وأشارت المنظمة إلى أنه «تم إبراز ولي العهد السعودي على أنه إصلاحي، غير أن حملة القمع ضد الأصوات المعارضة في بلاده لم تشتدّ إلا منذ تنصيبه في حزيران/ يونيو الماضي»، مضيفة أن «السعودية تريد من العالم التركيز على ما تقدمه من مساعدات إنسانية لليمن، في وقت يرتكب فيه التحالف انتهاكات جسيمة للقانون الدولي» في هذا البلد. واللافت أن «أمنستي» أطلقت، توازياً مع انتقاداتها المتقدمة، حملة مضادة لحملة ابن سلمان، بهدف تعرية هذه الأخيرة وإظهارها على حقيقتها. وسبق بيانَ «أمنستي» موقف مماثل صادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إنما ضد «السياسة غير المتسقة» التي تنتهجها بريطانيا إزاء عمليات «التحالف» في اليمن. إذ وصفت «هيومن رايتس» الادعاء البريطاني بتوافق الحملة السعودية مع القانون الإنساني الدولي بأنه «ادعاء سخيف وخيال محض»، منبهة إلى أن المملكة المتحدة «تخاطر بالتواطؤ في جرائم الحرب (المرتكبة في اليمن) من خلال تزويد السعوديين بكميات كبيرة من الأسلحة». وأشارت المنظمة إلى أن الوزراء البريطانيين «فرشوا السجادة الحمراء لمحمد بن سلمان، وتحدثوا عن وعوده بالإصلاح... من دون أن يظهر أي تغيير ذي مغزى في السياسة السعودية».