في ظلّ تواصل التحركات الدبلوماسية التي يقوم بها المسؤولون الإيرانيون في دول الجوار الآسيوي، بدا لافتاً التصريح الذي أدلى به المتحدث باسم الجيش الباكستاني، والذي طمأن فيه إلى أن بلاده لن تنخرط في «أي تحرك يتعارض ومصالح إيران». تصريح يعزّز، إلى جانب مؤشرات أخرى، توجّهاً باكستانياً يزداد وضوحاً نحو النأي عن الاستراتيجية - الأميركية السعودية لمحاصرة إيران، ضمن مشروع أشمل يشكّل التقارب مع الصين أحد أبرز معالمه.

خرجت في الآونة الأخيرة تحليلات وكتابات إسرائيلية وسعودية، أحيت الحديث عن «المظلة النووية الباكستانية» كبوابة لإعادة توثيق العلاقات بين الرياض وإسلام آباد في إطار مواجهة «الخطر الإيراني». تستند هذه القراءات إلى جملة عناصر عزّزت فرضية انخراط الباكستانيين في مشروع إعادة فرض الطوق على طهران، والانضمام إلى استراتيجيتي السعودية وإدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. من بين تلك العناصر: تصاعد التعاون العسكري الباكستاني - السعودي على وقع الحملة المحمومة ضد الاتفاق النووي الإيراني، وحديث الرياض عن مواجهة طهران على صعد مختلفة، بينها نقل المعركة إلى داخل إيران، وإطلاق سباق تسلح نووي معها، والرد في الداخل الإيراني على استهداف اليمن للأراضي السعودية بهجمات صاروخية.
غداة انطلاق الحرب على اليمن، حظي انخراط إسلام آباد في الحرب بنقاش صاخب، داخلياً وخارجياً. سرعان ما سُحب العلم الباكستاني من وراء المتحدث السعودي باسم «التحالف»، وتأجّل ملف مشاركة باكستان إلى حين تجاوز صنعاء لـ«الخط الأحمر»: أي تعرض الأراضي السعودية للخطر. جاء «الخطر» ولم يأت الباكستانيون. لكن إسلام آباد ظلت على الدوام محط رهان السعوديين، رغم «الخذلان» الباكستاني لهم في معركة اليمن، لاعتبارهم باكستان بوابة ملائمة لتحقيق استراتيجية مواجهة جديدة مع إيران، نظراً إلى امتلاكها حدوداً مشتركة مع الأخيرة، والأهم امتلاكها للسلاح النووي. إلا أن الاستراتيجية السعودية التي عبّر عنها ولي العهد، محمد بن سلمان، في أكثر من محطة، لم تجد سبيلها إلى التطبيق حتى اليوم، في ما يتصل بشقها المتعلق بنقل المعركة إلى داخل إيران، وإن جرت محاولات حثيثة في السنوات الماضية لاختراق الجمهورية الإسلامية عبر ملفات داخلية، أبرزها أوضاع القوميات غير الفارسية (البلوش والأكراد والعرب)، والتي تم الاستثمار فيها ببرامج ممولة ومدعومة أمنياً، كما تؤكد مصادر مطلعة. والسبب في جزء كبير من هذا الفشل عدم انخراط الدول المجاورة لإيران في المشروع السعودي، وفي مقدمها باكستان.
إعلان ابن سلمان استعداده لتطوير قنبلة نووية مقابلة لسلاح نووي إيراني، صعّد من التكهنات بشأن كيفية حدوث شيء مماثل، إذا لم ينجح ولي العهد، كما هو متوقع، في إبرام صفقته النووية مع الولايات المتحدة. «البديل» الذي لوح به وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، قبل أيام، ما هو، بحسب بعض الكتاب، سوى الملف القديم: النووي الباكستاني، الذي يعود «الفضل» إلى المملكة في جزء من تمويله. لكن لباكستان حديثاً آخر، يجعل الرهانات السعودية أقرب إلى التمنيات.
في إسلام آباد، تلوح في الأفق معالم استراتيجية جديدة لا تقطع مع الرياض، لكنها تؤسّس لتباعد عن واشنطن، لصالح تقارب اقتصادي مع الصين، يرسي حكماً قواعد جيوسياسية جديدة، مع ثبات التفاهم والشراكة مع الجار الإيراني. وفق بعض المحللين، فإن التقارب التجاري مع الصين، وبناء الموانئ والقواعد العسكرية وخطوط الربط التجاري التي شرعت في تشييدها بكين داخل الأراضي الباكستانية، يستلزمان ولادة مشروع مستقبلي يُحدِث تلقائياً افتراقاً استراتيجياً عن دول الخليج والولايات المتحدة، كون هذا المشروع يأتي على حساب دور الموانئ الخليجية. وبغض النظر عما إذا كان التباعد الأميركي - في عهد ترامب - عن باكستان ناجماً عن تقرّب الأخيرة من الصين، أو كان تقارب إسلام آباد وبكين ناتجاً من ابتعاد واشنطن وقطعها المساعدات عن الحكومة الباكستانية، فإن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تبدو صعبة، في ظل الاتفاقيات الضخمة الموقعة لمديات زمنية بعيدة بين الجانبين الباكستاني والصيني. أما علاقة إيران بشبكة الترابط الاقتصادي بين باكستان والصين، فتتمثل في حاجة موقع باكستان الجديد في مستقبل المنطقة إلى أقصى درجات تعزيز الأمن الإقليمي والتبادل التجاري مع الجيران، للمحافظة على المكتسبات الجديدة. ستصبح باكستان «مركزاً صناعياً لجنوب آسيا بعد اكتمال مشروع (CPEC)»، الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني أو «خط الحرير الجديد» كما يسمى، بحسب ما قال أمس وزير التخطيط والتنمية الباكستاني إحسان إقبال. وبحسب القادة الإيرانيين، لا بد من الاهتمام بالمشروع الجديد والانخراط فيه، كبديل اقتصادي مستقبلي، كما يجب استكمال «طريق الحرير» الجديد بوجهته الغربية، التي ستُِمكّن إيران من لعب دور ممر الطاقة المتبادلة بين الشرق والغرب.
تلاقي طهران إسلام آباد في استراتيجية «التعاون الإقليمي» في المنطقة الممتدة من وسط آسيا إلى جنوبها. وفي الأسابيع الماضية، كثفت حكومة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، لقاءاتها مع دول الجوار الآسيوي كافة، في «هجمات» دبلوماسية لم تهدأ، دشنها وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، من باكستان، ويواصلها روحاني مع باقي الدول. لا يخفي مسؤولون إيرانيون أن الجهد الدبلوماسي الإيراني يطمح إلى تأمين شبكة أمان اقتصادي وأمني، في ظل ما تمر به إيران، والتهديد الأميركي باستعادة سياسة الضغوط والعزلة، التي قد يكون من بينها على أجندة واشنطن والرياض نقل «التهديد التكفيري» إلى الحدود مع أفغانستان وباكستان. الأهم في هذا الملف كانت جولة ظريف المطولة على كراتشي وإسلام آباد الباكستانيتين قبل أيام، حيث خرجت مؤشرات إلى نجاح الزيارة، أبرزها الاتفاق على زيادة التبادل التجاري، وتصريحات الجيش الباكستاني «المطمئنة»، والتي تحدد معالم الاستراتيجية الباكستانية تجاه إيران.
بالنسبة للمؤسسة العسكرية الباكستانية، ذات التأثير العميق في سياسات البلاد، فإن قوات إسلام آباد المسلحة لن تلتحق «بأي تحرك يتعارض ومصالح إيران أو اليمن». هذا ما أكده، أول من أمس، المتحدث باسم الجيش الباكستاني، اللواء آصف غفور، موضحاً أن مهام القوات الباكستانية المتواجدة في السعودية تقتصر على داخل الحدود ولن تتحرك خارجها. بهذه التصريحات، تكون باكستان قد جددت التأكيد على سياساتها الهادئة والعقلانية، والنأي بنفسها عن مغامرات أصدقائها في الرياض، وآثرت مواصلة ملاقاة جيرانها على مستقبل مختلف بدأت ملامحه بالتشكّل في تلك الجهة من القارة الآسيوية.