في كل مكان في فرنسا تقريباً، هيمنت التظاهرات، أمس. في باريس، قاد مئات من عمال القطارات المضربين مسيرة من محطة الشرق إلى محطة سان لازار، فيما انضمّ إليهم موظفون من القطاع العام، وطلبة، وموظفون من القطاع الصحيّ. في بوردو أيضاً، تظاهر عمال القطارات بين «صفي شرف» شكلّهما عمال بريد محليون كانوا قد أضربوا بدورهم منذ أكثر من ثلاثة أسابيع. وفي ليون، عقب اجتماع عام حضره أكثر من مئتي شخص في «محطة بيراش»، انضم عمال من القطاع الصحيّ إلى التظاهرة التي توجهت باتجاه مقرّ البلدية في قلب المدينة. هكذا كانت بعض وسائل الإعلام الفرنسية تُغطي يوم التظاهرات الطويل.

إلا أنّ لغة السلطة بحثت عن مكان لها أيضاً، فقال مثلاً وزير النقل السابق، دومينيك بوسيرو، الذي يدعم «إصلاحات» ماكرون: «هذه الحكومة مرّت بفترة سهلة حتى الآن، لكن هذه معركة سياسية حقيقية، ولماكرون ميزة أنّه تم انتخابه على أساس برنامج إصلاحي، وهو ما لم يكن الحال مع الحكومات السابقة». وجاء هذا التصريح بعد محاولات حثيثة من قبل الحزب الحاكم «الجمهورية إلى الأمام»، في الأيام الأخيرة، لدحض دعوات التظاهر، والدفاع عن «الرئيس وإصلاحاته». إلا أنّ ما لا تقوله «ألسنة السلطة» ودوائرها، إنّ ماكرون انتخبه عملياً أقل من نصف الكتلة الناخبة في فرنسا.
رغم ذلك، قررت النقابات العمالية للسكك الحديدية المضي بإضرابها الذي دعت إليه، كاختبار جديد لمواجهة تصميم ماكرون على المضي في «إصلاحاته»، ورداً على جملة قرارات أعلن عنها لتحويل الشركة الوطنية للسكك الحديدية «المثقلة بالديون» إلى شركة تحقق أرباحاً، علماً بأنّ الديون هذه هي بدورها نتيجة «إصلاحات» حكومة ليونيل جوسبان الذي خلف جوبيه في عهد جاك شيراك، وبقي في منصبه بين عامي 1997 و2002.

رئيس أكبر نقابة: على الحكومة أن تبدأ من الصفر مجدداً


وشارك في اليوم الأول من الإضراب، الذي وُصف في وسائل الإعلام بـ«الثلاثاء الأسود»، أكثر من ثلاثة أرباع سائقي القطارات، وفق إدارة «إس إن سي إف» ــ الشركة العامة المشرفة على القطارات والتي ترزح تحت «ديون طائلة» ويرغب ماكرون في «إصلاحها». وكانت النقابات العمالية الرئيسة في قطاع السكك الحديدية قد دعت إلى إضرابات تستمر يومين كل خمسة أيام خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، أي ما يعادل 36 يوم إضراب، وذلك احتجاجاً على تعديل في «الشركة الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية» (إس إن سي إف) قبل فتحها أمام المنافسة مثلما يشترط قانون الاتحاد الأوروبي.
أمام هذا الإصرار النقابي، قالت وزيرة النقل الفرنسية، إليزابيث بورن، إنّ «الشعب الفرنسي لا يريد تحمل ثلاثة أشهر من الفوضى التي ليس لها مبرر».
ويبلغ عدد مستخدمي القطارات في فرنسا نحو 4.5 ملايين يومياً، ويُتوقع أن يتسبب إضراب العمال ببلبلة كبيرة في ظل تصميم النقابات. وحدها حركة النقل الأوروبية قد تبقى مستثناة إلى حد ما من الإضراب، مع تسيير ثلاثة قطارات «يوروستار» من أصل أربعة وحركة سير شبه طبيعية على خطوط «تاليس» إلى بلجيكا. في المقابل، لن يكون هناك أي قطار إلى إسبانيا وإيطاليا وسويسرا.

مواجهة؟
يحتج موظفو السكك الحديدية على إلغاء الوضع الخاص الذي يحظون به، وعلى خطط لفتح القطاع أمام المنافسة وتحويل الشركة إلى شركة مساهمة، ما يمهد بنظرهم لعملية خصخصة في المستقبل، رغم نفي الحكومة الفرنسية هذا الأمر. وتأمل النقابات، على الرغم من انقساماتها، كسب تأييد الرأي العام الذي تقول غالبية ضئيلة منه في الوقت الحاضر إنها «تعارض الإضراب». ولم يكن لحركات التعبئة الاجتماعية في بداية ولاية ماكرون الذي انتخب في أيار الماضي، بناءً على برنامج «إصلاحي ومؤيد للاتحاد الأوروبي»، تأثير كافٍ لحمل الحكومة على تغيير مواقفها.
وإن كانت السلطة التنفيذية تبدي حتى الآن «تصميماً هادئاً وتاماً»، إلّا أنها تواجه تصعيداً في المعركة مع استهدافها قطاعاً يوظف 147 ألف شخص وحصل على دعم 12 حزباً «يسارياً». في هذا السياق، نقلت وكالة «فرانس برس» عن مصدر حكومي قوله: «نتوقع تحركاً اجتماعياً كبيراً جداً وقوياً جداً، مع وطأة شديدة للغاية على مستخدمي القطارات، وعلينا في المقابل أن نبقى ملتزمين بالوجهة التي حددناها». كما طلب رئيس الوزراء، إدوار فيليب، من غالبيته الحفاظ على وحدة صفها ولحمتها في مواجهة التحركات المعارضة.
فيليب مارتينيز، وهو رئيس «الكونفدرالية العامة للعمل» (سي جي تي)، أي رئيس أكبر النقابات الفرنسية، قال: «طالبنا بالشيء نفسه لعدة أسابيع. أن تعيد الحكومة النظر في خطتها كلياً، عليهم أن يبدأوا من الصفر مجدداً».