لندن | ليس حديثاً السعي في بريطانيا لإسقاط جيريمي كوربن، من على رأس «حزب العمّال» الذي اعتلى سدته في نهاية 2015. لكن منذ أيام قليلة، بات هذا المسعى حثيثاً، إذ يظهر أنّ القرار اتُخِذ على أعلى المستويات في قلب «الدولة العميقة» التي تمسك بخناق المملكة المتحدة. فهذا الزعيم اليساري تزداد شعبيته يوماً تلو آخر، ويُعتبر فعليّاً المرشح الأكيد لتولي رئاسة الوزراء في البلاد في حال انكسار الأغلبيّة البرلمانيّة الهشّة (13 مقعداً) التي تقوم عليها حكومة تيريزا ماي، «المحافظة»، بالتحالف مع حزب يميني هامشي من إقليم إيرلندا الشماليّة.

السلطة تظهر في أسوأ صورة ممكنة استعداداً لمواجهة استحقاقات انتخابيّة وبرلمانيّة حاسمة خلال الأشهر القليلة المقبلة. فبريطانيا مقبلة على انتخابات بلديّة مهمة في أيار المقبل، يعتقد الخبراء أنّها ستكشف عن مزيد من تضعضع تأييد المواطنين لـ«حزب المحافظين» لمصلحة «العمّال» والمعارضة، لا سيّما بعد سلسلة الفضائح التي ضربت سمعة المؤسسة الحاكمة على الصعيد المحلّي. كما أنّ البرلمان يستعد للتصويت في مناسبتين مختلفتين على إدارة الحكومة لملف العلاقة بالاتحاد الأوروبي (البريكست)، فيما لم يساعد الحكومة استعراضها المبتذل لتحالفها المتعزز مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ولاحقاً هجومها على موسكو بحجة محاولة اغتيال جاسوس بريطاني من أصل روسي.
تراكم هذه الضغوط يعني ببساطة أن أي هزّة لأغلبيّة البرلمان قد تتسبّب حكماً في إطاحة الحكومة الحاليّة، وبالتالي تسليم مفاتيح «10 داوننينغ ستريت» مباشرة لجيريمي كوربن، أو أقلّه الدعوة إلى انتخابات عامة جديدة يغلب الظن أنّها ستؤدي إلى النتيجة نفسها.
هذا السيناريو الذي أصبح أقرب إلى التحقق أكثر من أي وقت مضى، استدعى العمل بالتضامن ووفق خطة مبرمجة لإقصاء كوربن عن قيادة «العمّال»، من خلال شنّ أضخم حملة تشويه ضد شخصه، ومن ثم تصعيد الحرب الأهليّة داخل حزبه لضمان تولّي وجه «مقبول» مكانه، سواء من خلال استدعاء إيدي ميليباند (الزعيم السابق للحزب) من «مقبرة النسيان» أو «أي شيطان آخر» من خارج دائرة يسار الحزب، على حدّ تعبير أحد الصحافيين.
الحملة الجديدة بدأت فور الإعلان عن محاولة اغتيال الجاسوس البريطاني قبل شهر، والتي سارعت تيريزا ماي إلى اتهام موسكو بتدبيرها، بينما أدانها كوربن وطالب بعدم التسرّع في إلقاء التّهم قبل امتلاك أدلّة. صحف بريطانيا الكبرى كلّها (وهي جميعها يمينية بدرجات متفاوتة)، اعتبرت موقف كوربن بمثابة الخيانة الوطنيّة، ووضعت القناة الأولى في الـ«بي بي سي» في خلفيّة برنامجها السياسي الرئيس صورة لكوربن معدّلة يظهر فيها بقبعة روسيّة أمام الساحة الحمراء في موسكو، فيما شنّ كبار «المحافظين» هجمات قاسية عليه.

حان، ربما، لكوربن أن يتوقف عن سياساته المهادنة حيال «يمين العمّال»


ولم تكد الهجمة تهدأ، حتى قاد خمسون من نواب «حزب العمّال» في البرلمان البريطاني المصنّفين على يمين حزبهم، وهم من أتباع توني بلير، مظاهرة، شارك فيها نحو خمسمئة شخص من أنصار جماعة «أصدقاء إسرائيل» في «حزب العمّال»، أمام مقر البرلمان في ويستمنسر، ولاحقاً أمام المقر الرئيسي لحزبهم، وذلك احتجاجاً على عداء كوربن المزعوم للساميّة، وهي التهمة التي يَسهُلُ شنّها دائماً ضد كل منتقد لإسرائيل، حتى ولو كان هو نفسه يهودياً وابن حاخام يهودي. حجة هؤلاء الرئيسة أنّ كوربن سجّل على موقعه في «فايسبوك» إعجابه في عام 2012 بلوحة جداريّة رسمها فنان يساري معروف، تُصوِّرُ كبار رموز رأس المال وهم يتآمرون فوق لوحة لعبة الاحتكار (مونوبولي) على قوت الفقراء. من بين أولئك كان وجه روكفلر مثلاً، وهو رأسمالي غير يهودي، وكذلك وجه روتشايلد، الرأسمالي اليهودي، لكن ذلك كان كافياً لاتهام كوربن بـ«العداء للسامية»، مع أنّ موضوع اللوحة لم يعنِ ذلك على أيّ نحو.
وقد تعرّض الذين واجهوا مظاهرة ويستمنستر، تأييداً لكوربن، لاتهامات بالخيانة ولمضايقات عدة (منظّمو التظاهرة سجّلوا شكاوى عن تعديات مزعومة من أنصار كوربن عليهم لم يثبت أيّ منها). ومن المعروف أنّ استدعاء سلاح «العداء للسامية» صار اليوم لعبة سهلة في يد اليمين البريطاني المنحاز بلا تحفّظ إلى إسرائيل والصهيونيّة، فـ«الكود» الناظم المعتمد لتعريف «العداء للساميّة»، والذي وضعته هيئة صهيونيّة، يضم 11 مثالاً، سبعة منها تتعلق بانتقاد سياسات الدولة العبريّة.
توني غرينستاين، وهو معاد بشدّة للصهيونيّة، اتهم السفارة الإسرائيليّة في لندن بتنسيق الجهود مع المؤسسة الحاكمة البريطانيّة و«يمين حزب العمّال» لإسقاط كوربن. وذكّر الرجل بموقف السفير الإسرائيلي لدى لندن عشيّة الانتخابات الأخيرة، عندما حذّر من كوربن علناً على شاشات التلفزيون.
يسار «العمّال» غير متفاجئ كثيراً بالهجمة التي يعتبرها بعضهم كأنّها مأخوذة من رواية «انقلاب بريطاني جداً» التي كتبها كريس مولين عام 1982، ووصف فيها كيف أنّ زعيماً ماركسياً بريطانياً تمكن من تولّي منصب رئيس الوزراء وأراد المضي في سياسات تقضي بتفكيك الاحتكارات الاقتصادية، والاستقالة من حلف شمال الأطلسي، والتخلّي عن السلاح النووي وإلغاء مجلس اللوردات الأرستقراطي وفرض شفافيّة أكبر في العمل الحكومي، فتآمرت أجهزة البلاد، الأمنيّة كما الصحافة، واليمين وحتى أطراف من حزبه، للانقلاب عليه. في حينه، عكست الرواية شائعات قويّة تحدثت عن انقلاب سيكون حتمياً إذا توّلى القائد العمّالي الراحل توني بين السلطة، وتذكّر أيضاً باتصالات بين المخابرات الأميركيّة واليمين البريطاني لتنسيق المواقف ضد حكومة هارولد ويلسن، العمّالية، في منتصف السبعينيات، وأيضاً فضيحة تعاون المخابرات الأميركيّة مع اليمين الأسترالي لإسقاط حكومة أرادت إزالة القواعد العسكريّة الأميركيّة من أستراليا.
في وجه كل هذه السكاكين المرفوعة علناً ضده، حان ربما للزعيم كوربن أن يتوقف عن سياساته المهادنة حيال «يمين العمّال»، ويتخذ قرارات مصيريّة لتصفية خصومه العقائديين من مراكز القيادة والتمثيل البرلماني في الحزب، خاصة أنّهم لن يكفّوا يوماً عن التآمر مع الجميع ضدّه. من دون ذلك، فإن الحلم الجميل سيبقى معلّقاً في مهبّ الريح، وستعصف بالمرشح الأحمر رياح «انقلاب بريطاني جداً»، عاجلاً أو آجلاً، وذلك قبل أن يصل بالفعل إلى مقر رئاسة الوزراء.