تواجه إيران بما أوتيت من سياسات اقتصادية التدهور الحاد الذي يصيب عملتها منذ أيام. في طهران، يطمئن مسؤولون إلى أن تراجع سعر صرف العملة «غيمة ربيعية» عابرة تمت السيطرة على مسبباتها المحلية، ولن ينجم عنها أكثر مما شهدته سوق العملات في الأيام القليلة الماضية. أكثر من ذلك، يتوقع محافظ المصرف المركزي، ولي الله سيف، أن يعود سعر صرف العملة الأجنبية إلى الاستقرار في الأيام المقبلة.

اطمئنان الإيرانيين إلى عدم وجود مخاطر كبرى تتهدّد الاقتصاد جرّاء تراجع سعر صرف العملة لا يعني عدم الاكتراث. ثمة رهان كبير على إجراءات تدخلية للمصرف المركزي، مدعومة من مؤسستي الحكومة والبرلمان، للإمساك بالوضع المالي. وهو ما تُرجم قراراً بتوحيد سعر صرف الدولار للسوقين المصرفية الرسمية والمفتوحة التجارية، عند 42000 ريال (4200 تومان)، وإعلان السلطات أنها ستتعامل بحزم مع من يخالف القرار، وفق ما شدد عليه نائب الرئيس إسحاق جهانغيري، عقب اجتماع الحكومة برئاسة حسن روحاني. ودعمت الحكومة قرارها بتحديد سقف لحيازة العملة الأجنبية خارج المصارف، هو 10 آلاف يورو كحد أقصى، وأعطت المواطنين مهلة (حتى 20 نيسان) لتنفيذ القرار، إما بتحويل الأموال الفائضة عن المبلغ المحدد إلى العملة الوطنية أو إيداعها البنوك. وحدد البنك المركزي سعر صرف الجنيه الاسترليني عند 59330 ريالاً، واليورو عند 51709 ريالات.
تأتي هذه الإجراءات بعدما شهد سعر صرف العملة الإيرانية في السوق المفتوحة، في الأيام القليلة الماضية، تدهوراً حاداً وصل إلى 60 ألف ريال للدولار، وهو رقم غير مسبوق، بعدما بلغ أقل من 55 ألف ريال، علماً أن سعر الدولار كان عند 36 ألف ريال منتصف أيلول الماضي. وأوضح البنك المركزي أن السعر الجديد للصرف لن يكون ثابتاً ونهائياً بل سيتحرك مع المتغيرات الاقتصادية، ومن المتوقع أن يتذبذب بنسبة 5 إلى 6 في المئة على مدى العام.

شهد البرلمان جلسة ساخنة بحضور محافظ المصرف المركزي


ومع أن الجانب الأسوأ من معضلة تراجع العملة بدأ بالانحسار، وفق تأكيدات الحكومة استعادة التوازن، إلا أن مسببات هذا التراجع تبقى مخيمة على الأسواق. وتتداخل الأسباب، وفق التقديرات الرسمية، بين الاقتصادية، كارتفاع حجم السيولة، وأخرى «غير اقتصادية». وهو ما أشار إليه محافظ المصرف المركزي الذي أكد السيطرة على تضخم السيولة، لكنه ألمح إلى أسباب سياسية تقف وراء التراجع. واعتبر ولي الله سيف أن ثمة محاولات من قبل «الأعداء للتأثير على اقتصاد البلاد»، متحدثاً عن «خيوط لمؤامرات تحاك حتى في دول مجاورة لنا، وفي الإمارات والسعودية». وأضاف: «تجري في سوق دبي محاولات ضد اقتصاد بلادنا يومياً، لذا علينا الحفاظ على هدوئنا وأن لا نسمح للأعداء بأن يعقدوا الأمل على هذا الأمر».
ولا يبدو أن البرلمان، الذي شهد جلسة ساخنة بحضور محافظ المصرف المركزي، مجمِعٌ على تأييد إجراءات الحكومة التي اتُّبعت في الأزمة وقبلها، وإن كان التوجه هو دعم عمل المصرف المركزي. وهو ما تضمنته كلمة رئيس البرلمان، علي لاريجاني، الذي رأى أن «احتياطي العملة الصعبة أعلى بكثير من النفقات التي تصرف بالعملة الصعبة، وإن كانت هنالك مشكلة في هذا الشأن فهي عائدة إلى طبيعة إدارة الملف»، مُعلِناً تأسيس لجنة في البنك المركزي لمتابعة ورصد قضايا العملة الصعبة. وشدد على ضرورة مراقبة تكاثر عدد محلات الصرافة «كي لا تتكرّر المشاكل التي واجهتها البلاد جراء تكاثر عدد المؤسسات المالية الائتمانية». وقسّم محافظ البنك المركزي التهديدات التي جابهتها السوق المالية إلى قسمين. الأول يتمثل في الحجم الكبير للسيولة النقدية «الذي تمت السيطرة على تأثيره على الأسواق لغاية الآن». والثاني هو «العامل النفسي، والتوقعات تجاه تطورات المستقبل، وحملات غير حقيقية شهدتها القنوات الافتراضية»، والتي لا تزال تمثل ــــ في نظر سيف ــــ تهديداً، «وأعداؤنا يدركون هذا الأمر لذا يسعون لاستغلال كل فرصة لتوتير أجواء اقتصادنا».
وفي ما بدا تأكيداً لرؤية المسؤول الإيراني، وجّهت وكيلة وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والمخابرات المالية، سيجال ماندلكر، أمس، تحذيراً للشركات التي تفكر في العمل مع إيران أو مع الشركات الإيرانية، وقالت إن هذه الشركات «تواجه مخاطر كبيرة بأنها ستعمل مع جماعات مثل الحرس الثوري الإيراني، وتدعم الإرهاب وعدم الاستقرار في العالم». وجاءت تصريحات المسؤولة الأميركية من لندن، في مستهل جولة تشمل الأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني، حيث رحبت بنية الأوروبيين فرض عقوبات جديدة على إيران.
هذه المؤشرات والتصريحات والتصريحات المضادة، تقود إلى تأكيد الحديث عن تأثير اقتراب موعد الانسحاب المحتمل للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي مع إيران في 12 أيار المقبل، على الأسواق الإيرانية، التي دخل قسم كبير منها في رهان على الاستفادة اقتصادياً من الاستثمارات بعد تخفيف القيود إثر الاتفاق، وهو ما نجحت الضغوط الأميركية في عرقلته بنسبة كبيرة.