عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا صيف 2016، وانطلاق حملة «التطهير»، يروي باحثون في مجال مؤسسات الدولة التركية وبيروقراطيتها أنّ اتصالاتهم بعدد كبير من الموظفين انقطعت. نعم «ببساطة، تتصل بموظف تعرفه كي تستكمل نقاشك معه بشأن إدارات الدولة، فلا تجده؛ اختفى من عمله».

بهذه البساطة، ثمة رجل قرر أن «يُطهِّر» إدارات دولته (بلغ العدد نحو 108 آلاف موظف)، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، فيما «الغريب أنّ مؤسسات الدولة لم تتعطل، ويبدو أنّها لم تتأثر»، يكمل هؤلاء الباحثون. وفق هذه الروايات، تظهر تركيا أنّها آخذة بالتحوّل أكثر فأكثر نحو «دولة قمعية»، قائمة على صورة رئيسها، أردوغان، وتوجهاته، بل ربما رغباته. ولا داعي للتذكير بأنّ «التطهير» وإعلان حالة الطوارئ تزامنا تقريباً مع إجراء استفتاء على الدستور، أخذ النظام نحو الوجه الرئاسي للحكم، بما «يسمح لأردوغان بقيادة الدولة كما لو أنّها شركة»، يقول أستاذ العلوم السياسية التركي أحمد انسل.
هذه وجهة ليبرالية لقراءة النظام السياسي في تركيا، ووفقها فإنّ البلاد دخلت في «زمن الاستبداد، المستقطع من الحياة». مما يعزز هذه الوجهة أنّ أرقام المنظمات الحقوقية والإنسانية تؤكدها، خاصة أنّ المجال السياسي في تركيا هُيّئ بعد صيف 2016 لارتكاب انتهاكات في الحقوق الأساسية، وقمع المعارضة بلا هوادة. وكان من المستهدفين صحافيون، وناشطون سياسيون، ومدافعون عن حقوق الإنسان، كما استمر الإبلاغ عن وقوع حالات تعذيب، وإنْ كان ذلك بأعداد أقل مما كانت عليه الحال في الأسابيع التي تلت محاولة الانقلاب، فيما شرعت الحكومة في تنفيذ إجراءات من دون التدقيق القانوني الفعال فيها من جانب البرلمان والمحاكم.
آخر فصول الانتهاكات الحُكم الصادر قبل أسابيع على 25 صحافياً بالسجن لمدد متفاوتة وصل بعضها إلى سبع سنوات ونصف سنة، وذلك بعد إدانتهم بالمساعدة في محاولة الانقلاب، وبالارتباط بجماعة فتح الله غولن. في هذا السياق، علّقت منسّقة شؤون برنامج أوروبا ووسط آسيا في لجنة حماية الصحافيين، ينا أوغنيانوفا، على الحكم بالقول إنه «يمثل إهانة للنظام القضائي التركي... ندعو السلطات التركية إلى إسقاط تلك التهم خلال مرحلة الاستئناف، ويجب عليها التوقف عن مساواة الصحافة بالإرهاب».
لكن الحكم الأخطر الذي صدر كان «السجن مدى الحياة» بحق ثلاثة صحافيين بارزين لصلتهم المزعومة بغولن. والمتهمون، محمد ألتان وشقيقه أحمد ألتان ونازلي إليجاك، اعتقلوا بعد محاولة الانقلاب بوقت قصير، وحكم عليهم في اسطنبول إلى جانب ثلاثة صحافيين آخرين، وذلك في اليوم نفسه الذي أمرت فيه محكمة تركية بالإفراج عن التركي الألماني دينيز يوجيل، مراسل صحيفة «ذي فيلت» الألمانية، الذي احتجز من دون محاكمة لأكثر من عام، من دون أي تهمة (راجع الكادر أدناه).
في حديث إلى «الأخبار»، يشرح عضو حزب «الشعب الجمهوري» أرهان بوزان، أنّه في الظاهر «فإنّ الصحافيين متهمون بدعمهم للإرهاب، وبكتابتهم لقصص تدعم الحالة الانفصالية (الكردية)»، مستدركاً بأنّ «الدافع الحقيقي خلف هذه الاعتقالات هو إسكات الصحافة المعارضة، لأن أردوغان غير متسامح مع الانتقاد».

لا تزال سلطة الرئيس التركي قائمة على أسس صلبة، أبرزها أمران


جراء ذلك، يرى بوزان أنّ «حالة الطوارئ أصبحت أداة تستخدم لقمع الصحافة»، متوقعاً أن «تسوء الأمور أكثر، لأن الناس باتوا يتجنبون الوقوف في مواقف معارضة للحكومة، حتى الذين لا يزالون يملكون الجرأة لتوجيه الانتقادات إلى الحكومة لم يعودوا يجدون أي وسيلة إعلامية للتعبير عبرها». أما عن الخطوة التي سيتبعها «الشعب الجمهوري»، فيقول بوزان: «الأهم الآن الفوز في انتخابات 2019، والتغلب على أردوغان في صناديق الاقتراع، ما سيتيح إعادة النظام البرلماني إلى البلاد».
قد يُدرج ترقّب الفوز في الانتخابات المقبلة في خانة الحلم، أو الوهم، ذلك أنّ سلطة أردوغان قائمة على أسس صلبة، لعلّ أبرزها: الشبكات التجارية والاقتصادية التي يعزز سطوتها التوجّه النيوليبرالي، والشرعية السياسية التي تستمد قوتها من البعد القومي ومن خزّان التصويت الانتخابي «الأناضولي» حيث يكثر مؤيّدو أردوغان. وهذا ما يجعل لأردوغان وجهين، عرف كيف يصوغهما: وجه الزعيم الذي يقود التنمية، ووجه الزعيم التقليدي للجمهورية التركية الحديثة التي يغلب عليها الطابع القومي.
هذان الوجهان قد يكونان أهم من غيرهما، ومن شأنهما القفز فوق النقد الليبرالي المختزل والاستهلاكي، نظراً إلى استنتاجاته الكثيرة المبنية على الآني. فمنذ وصول أردوغان وحزبه إلى السلطة في مطلع الألفية، برفقة الدينامو المحرّك لهما، أي جماعة غولن (قبل حدوث الطلاق)، كان «طريقه إلى السلطة المطلقة مليئاً بالتطهير العشوائي والخداع»، يقول البروفيسور الأميركي جايمس بيتراس، الذي يصف الرئيس التركي بأنّه «الباشا (الجديد) الذي أراد احتكار السلطة»، مشيراً في الوقت نفسه إلى «احتضان أردوغان (منذ بداياته) للبرنامج الذي صمّمه صندوق النقد الدولي، والذي قلل من الأجور والمرتبات مع خصخصة مؤسسات القطاع العام وأنشطته»، ما أفاد شبكات احتكارية كان هو وحزبه يصمّمانها.
الأكاديمي التركي محمود متمان يوضح بدوره هذا المسار في مقالة بعنوان «النيوليبرالية والشعبوية في تركيا»، يقول فيها: «لم يكن خط حزب العدالة والتنمية متماسكاً على نحو كامل، إذ حارب الفساد والمحسوبية عندما تعلق الأمر بالنخبة القديمة، وطوّر محسوبيته الخاصة ونسخته الخاصة بما يمكن تسميته برأسمالية المحاسيب. وعلى المستوى السياسي، نجح الحزب إلى درجة مكّنته من السيطرة على عدد من الحريات التي برزت بموازاة التطور السريع للرأسمالية، لكن يبدو أنّه وصل إلى مستوى بات من الصعب عليه التحكم في هذه الحريات، لأسباب سياسية واجتماعية، وأخرى أيديولوجية، منها جذور الحزب المحافظة والسلطوية والقومية». فرضية محمود متمان تقوم على أنّ التوجهات النيوليبرالية تقود إلى «رد فعل شعبوي». ووفقاً له، فإنّ وصول «العدالة والتنمية» إلى السلطة جاء كرد فعل على نيوليبرالية كانت تركيا قد بدأت اعتمادها منذ الثمانينيات. «إلا أنّ الوجه الآخر للقصة»، كما يقول متمان، هو أنّ «العدالة والتنمية» نفسه بنى نجاحاته على توجهات كهذه، ما قد يجعل من الجمهورية التركية محكومة بدورات حياة النيوليبرالية.
على صعيد آخر، البعد القومي في سياسات أردوغان جلي. فعدا عن الرمزيات واستعادة ركائز عثمانية وإدخال إضافات على السردية الوطنية للجمهورية التركية، فلأردوغان نظرة خاصة إلى تركيا ودورها الإقليمي. لسان حاله يُشبه الشخصية التركية القومية في رواية «البيت الصامت» لأورهان باموق، خاصة حين تقول: «الذي يوجّه العالم ليس صراعه الطبقي، بل القومية... الشرق الأوسط هو مركز العالم، وتركيا مفتاح الشرق الأوسط».
هذه النظرة الشديدة القومية لرئيس الجمهورية التركية، عزّزها الواقع الدولي، إذ إنّ «تطوّرات السياسة الخارجية التركية تندرج ضمن بحث (تركي) طويل عن هويّة واضحة المعالم منذ خمسة عقود، ولكنها باتت تندرج أخيراً أيضاً ضمن سياق قلب المفاهيم المرجعية التي تُهيكل العلاقات الدوليّة حول محاور جديدة... الآن، لم تعد القيم التي لا تزال القوى الغربية تعدّها عالميّة قادرة على فرض نفسها عسكريّاً، ولا سياسياً، ولا ثقافياً، وتركيا مثالٌ على انقلاب العالم هذا»، يقول الباحث الفرنسي في العلاقات الدولية ديدييه بيّون.
المثير في الأمر محاولة فهم كيف نجح أردوغان في دمج كل هذه العوامل (الداخلية والنزعة القومية الشديدة) وصوغها ليتحوّل إلى ما يُشبه الصنم: فمن جهة هو ذلك «الشيء» الذي يؤمن البعض بقدراته، الهائلة، ولكنه أيضاً مثال على تلك الصنميّة التي لا يدرك أتباعها أنها «من دونهم، لن تكون إلا مجرد شخص عادي». أردوغان من دون شبكاته «النيوليبرالية» في تركيا، ومن دون توظيف القومية التركية بصورة فظة، قد يكون لا شيء. لكن حالياً لا يزال صنماً يصعب تحطيمه.



مسارات قضائية غير موثوقة
لمحمد ألتان (65 عاماً) عدد من المؤلفات السياسية، وكان قد اعتقل في أيلول 2016 مع شقيقه أحمد (67 عاماً)، وهو الروائي الذي أسس صحيفة «طرف» المعارضة. أما إليجاك (73 عاماً)، فهي صحافية وكاتبة عملت حتى 2013 في صحيفة «صباح» الموالية للحكومة، وهي معتقلة منذ أواخر تموز 2016.
عن المسار القانوني لمجمل محاكمات الصحافيين، يقول بوزان لـ«الأخبار»، إنه «يخضع للتلاعب، إذ لم يعد هناك فصل للسلطات ولم يعد القضاء حراً... الشعب التركي لم يعد يثق بالجهاز القضائي بعد الآن، ويرى أننا (الأتراك) أصبحنا نعيش عملياً في ظل حكم ديكتاتوري».
في مجال الملاحقات الصحافية أيضاً، أدانت السلطات التركية إيلا البايراك، التي تعمل في صحيفة «وول ستريت جورنال»، بـ«نشر دعاية إرهابية»، وصدر بحقها في تشرين الأول الماضي حكم بالسجن لمدة عامين، وذلك على خلفية مقالة نشرتها في 2015 حول اشتباكات مسلحة دارت بين قوات الحكومة وشباب ينتمون إلى «حزب العمال الكردستاني».