في خطاب طويل أمام «مؤتمر الأساقفة» مساء الاثنين، أكد إيمانويل ماكرون أنّه يريد «إصلاح» العلاقات بين الكنيسة والدولة عبر «حوار حقيقي»، مضيفاً أنّ «رئيس الجمهورية الذي يزعم أنّه لا يكترث بالكنيسة والكاثوليك يقصِّر في واجبه»، وهو الأمر الذي قد يوصف بـ«الهرطقة العلمانية». وردّ عليه الزعيم اليساري المعارض جان لوك ميلانشون، بالقول ببساطة: «ماكرون في قمة هذيان ميتافيزيقي، لا يُحتمل. ننتظر رئيساً، فنسمع مساعد خوري».

من الناحية التاريخية، برغم علمانية الدولة الفرنسية، خاصة بعد قانون عام 1905، وثقل الموروث العلماني، فإنّ الموروث الكاثوليكي في المخيال الجماعي، ثقيل بدوره وفقاً لما يشرحه مؤرخون فرنسيون. للإشارة، حين خسر مرشح الحزب الاشتراكي ليونيل جوسبان، في الدورة الأولى من الانتخابات الرئيسية لعام 2002، برغم حظوظه، البعض ذهب بعيداً في شرح أنّه «لا يمكن بروتستانتياً أن يرأس فرنسا». وللتذكير أيضاً، لشارل موراس، مؤسس «أكسيون فرنسيز»، عبارة جميلة تقول: «أنا ملحد، ولكن كاثوليكي»، في إشارة إلى نظرته للكنيسة بصفتها ضامناً على المستوى الاجتماعي.

قد يكون مُعبِّراً عن توجه موجود يريد الربط بين فرنسا والكاثوليكية


بصرف النظر عن أهداف ماكرون الذي قد يكون مُعبِّراً في حديثه عن توجه موجود أصلاً يريد الربط بين فرنسا والكاثوليكية، يمكن العودة إلى كتاب «اللغز الفرنسيّ» الصادر عام 2013، الذي يخلص فيه الديموغرافيّان الفرنسيّان إيمانويل تود، وهيرفي لوبرا، إلى أنّ بلدهما يعاني من «انعدام توازن بين الفضاءات الأنثروبولوجيّة والدينيّة»، ويشرحان أنّ قلب فرنسا «الليبراليّ والمساواتيّ، الذي قام بالثورة، قد ضعف، فيما أطرافها التي كانت مخلصة لنموذج التراتبيّة، والتي تتبع غالباً تقليداً كاثوليكيّاً، صارت مهيمنة». لجعل المسألة عمليّة أكثر، يمكن القول، وفقاً لهما، إنّ باريس والمدن الكبرى تبقى «ليبراليّة»، فيما تشهد المناطق الطرفيّة ما يُطلق عليه المؤلفان «البعث بعد الموت»، أو ظاهرة «الموتى الأحياء الكاثوليك» (الزومبي)، وهم ليسوا بالضرورة أناس يمارسون الطقوس بانتظام، بل يؤمنون بقيم وتصورات محافظة حول المجتمع ودور الدولة. يظهر ذلك مثلاً في وقوفهم في وجه برنامج الاشتراكيّين خلال الثمانينيات لدمج المدارس العموميّة والأخرى الخاصة (أي الكاثوليكيّة)، ومن ثمّ إسقاطه، وكذلك حملتهم القويّة ضدّ تقنين زواج المثليّين قبل خمس سنوات. من ناحية الإحصاءات، تقول الأرقام إنّ نحو نصف السكان يُعرّفون أنفسهم بوصفهم كاثوليكاً، رغم أنّ 5 في المئة فقط منهم يذهبون إلى الكنيسة بانتظام.
الأوصاف أعلاه قد ينطبق بعضها على ماكرون، الذي وُلد في عائلة علمانيّة، وطلب تعميده في سنّ الثانية عشرة، ورغم أنّه لم يكن زائراً منتظماً للكنيسة، فإنّ «تعليمه المسيحيّ، الكاثوليكيّ بصفة خاصّة، لعب دوراً مؤكداً في علاقته بالمجتمع»، كما يقول مارك اندويلد مؤلف كتاب «السيد ماكرون الغامض»، واصفاً الرئيس الفرنسي بـ«زومبي كاثوليكي» (زومبي هنا ليست محمّلة بالمعنى السلبي، بل هي تُستخدم لوصف ظاهرة أو حالة).
أيضاً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ردّ الفعل ضدّ ماكرون ليس أمراً مستغرباً، فهو تكرار لما حصل مع منافسه في الانتخابات فرنسوا فيون. في حينه كرّست صحيفة «ليبيراسيون» غلافها (عدد 24 تشرين الثاني 2016)، لصورة تحمل خريطة فرنسا مرسومة بسبحة مربوطة بصليب كُتب في وسطها «النجدة، لقد عاد المسيح!». يومها تساءل رئيس تحرير الصحيفة: «هل اللوبيات الكاثوليكيّة بصدد تحديد الرئيس المقبل؟»، مضيفاً أنّ «القناعات الدينيّة مُحترمة ما دامت حبيسة المجال الخاصّ».