بالقدر الذي تتعزّز فيه المؤشرات إلى نزول واشنطن عند مقترحات شركائها الأوروبيين لفصل مسارَي الاتفاق والعقوبات، باتت ترتسم ملامح السياسة الأميركية تجاه إيران بشكل أكثر وضوحاً. يُسخِّر ترامب، كما يبدو، سقفه العالي المهدِّد بالانقلاب على الاتفاق لتحشيد أكبر قدر من الداعمين لإحكام عزلة طهران، إذ تقاطعت أمس تصريحات وزير الخزانة ستيفن منوتشين، ووزير الخارجية الجديد مايك بومبيو، على أن رفض ترامب التوقيع على تعليق العقوبات في 12 أيار المقبل لا يستلزم الانسحاب من الاتفاق. وشدّدا على مواصلة مسعى «تحسين» الصفقة النووية بما يتلاءم ورؤية الرئيس. كذلك لوّح منوتشين بجولة جديدة من العقوبات، وصفها بـ«القوية جدّاً»، يجري الإعداد لها بغض النظر عن مصير الاتفاق. تصريحات تفيد بتركيز واشنطن على تأمين شبكة عقوبات من خارج مجلس الأمن ينضم إليها الأوروبيون، تحقّق لترامب مشروعه وتؤجّل بحث الخروج من الاتفاق، بما يؤمّن وضع الاقتصاد الإيراني مجدّداً في مهداف الاستنزاف والحصار. وهو رهان متجدّد على استيلاد استياء شعبي من النظام الإيراني، وتكبيل يد السياسة الخارجية الإيرانية الداعمة لحلفاء طهران الإقليميين. وبالتالي، فإن نجاح ذلك الرهان ينجم عنه ــ وفق الرؤية الأميركية ــ تفريغ الاتفاق النووي من مضمونه، وسحب الأوراق الرابحة إيرانياً من الصفقة، وفي مقدّمها انتعاش الاقتصاد الإيراني.

أول الغيث كان قرار الاتحاد الأوروبي تجديد عقوبات كانت قد أُقرّت منذ عام 2011 تحت عنوان «الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان»، على أكثر من 80 شخصية إيرانية عاماً إضافياً. وإن كان القرار الأوروبي متوقَّعاً وروتينياً، إلا أنه جاء متماهياً مع ضغوط واشنطن في هذا الاتجاه، وتحرّك وكيلة وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والمخابرات المالية، سيغال ماندلكر، التي تقوم بجولة أوروبية، أطلقت في مستهلها تحذيراً للشركات التي تفكّر في العمل مع إيران أو مع الشركات الإيرانية، مُرحِّبةً في الوقت نفسه بالمشروع الأوروبي لفرض عقوبات جديدة على طهران.
الحراك المتشدد تجاه إيران، من أميركا إلى أوروبا، يجلّي مشروع العودة إلى زمن العقوبات والحصار و«الحرب من الداخل»، وهو ما بات ملحوظاً في المنظار الإيراني، كما أكد نائب الرئيس، إسحاق جهانغيري، أمس، إذ حذر الأخير من «مخطط» للمساس ببلاده، تنهمك في الإعداد له «القوى الكبرى وبعض دول المنطقة... للإضرار بالشعب». ورأى أن إيران بحاجة إلى «الانسجام والتفاهم... وتوسيع الثقة لدى الجماهير» لمواجهة ما يحاك ضدها، معتبراً أن «الإجراء الأقل كلفة بالنسبة إلى الأعداء يتمثل في بثّ الفرقة». وأضاف إلى المنخرطين في المشروع غربياً ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في دور «مثير الأجواء» ضد طهران أثناء جولاته الخارجية. ولاقت وزارة الخارجية تحذيرات نائب الرئيس برسالة إلى باريس نبّهتها فيها إلى ضرورة «أن لا تتأثّر بابن سلمان المغامر، وتتجنّب الاستماع لمزاعم الرياض المكرّرة والكاذبة ضد الاتفاق».
العقوبات التي تتطلع إليها باريس ولندن وبرلين تجنّباً لفرط عقد الاتفاق، لا تلقى إجماعاً أوروبياً كما هو واضح حتى اليوم. إذ بدا لافتاً، أمس، اعتبار رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي، ديفيد مك اليستر، أن «إعادة الحظر الأميركي ستؤثّر على الشركات الأوروبية بصورة مباشرة، لكنها لا تترك أثراً مباشراً على الصادرات النفطية الإيرانية». كلام يُعدّ ترجمة للموقف الإيطالي الذي لا يزال يقود معارضة لمشروع العقوبات من داخل الاتحاد، كونها «تضعف فرص الشركات الأوروبية في الفوز بعقود مربحة في إيران»، في انتظار مدى تأثير الضغوط الأميركية. وبحسب ما نقل مصدر دبلوماسي أوروبي، لـ«رويترز»، أمس، فقد شهدت مفاوضات الترويكا الأوروبية مع وكيلة وزارة الخزانة الأميركية تقدماً «صوب التعامل مع مخاوف الرئيس (ترامب) والوصول إلى اتفاق».