بعد فشل اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الإثنين الماضي، في التوصل إلى اتفاق لفرض عقوبات على إيران، أكدت واشنطن أمس أن التفاوض مع الأوروبيين لا يزال متاحاً لإبرام اتفاق يعالج تحفظات البيت الأبيض على الاتفاق النووي. ووفق السفير الأميركي لـ«شؤون نزع السلاح»، روبرت وود، فإن المناقشات بين الأميركيين والأوروبيين «حامية»، في سباق مع مهلة 12 أيار المقبل، موعد إعادة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، النظر في تعليق العقوبات المجمدة بموجب الصفقة النووية.

وحدّد وود «المخاوف» الأميركية تجاه الاتفاق بأن الأخير لا يتطرق إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، و«سلوك إيران في منطقة الشرق الأوسط»، إضافة إلى اعتراض إدارة ترامب على فقرات في الاتفاق تقر انتهاء العمل بالقيود على برنامج إيران النووي بعد عشر سنوات. وقال المسؤول الأميركي إنه «يجب التعامل مع هذه القضايا»، آملاً في التوصل إلى اتفاق مع الأوروبيين «يشعر الرئيس (ترامب) بالارتياح له».
وفي تعارض مع تأكيدات الوكالة الدولة للطاقة الذرية على التزام إيران بتعهداتها تجاه الاتفاق النووي، زاد وود على المطالب الأميركية حصول الوكالة الدولية على «حرية دخول جميع المواقع التي تحتاجها»، متهماً الإيرانيين بأنهم يعتّمون «على الأمر وينكرون، ويقولون إنهم سيسمحون بالدخول ثم يرفضون». وشدد كذلك على أهمية أن «تتمكن الوكالة من دخول أي موقع تحتاج الدخول إليه بما في ذلك المواقع العسكرية».
لم يفصح وود في تصريحاته عن وجهة المفاوضات، وإمكانية الاكتفاء بالعقوبات الأوروبية التي تستهدف الترويكا من ورائها إيجاد تسوية بديلة من تدمير الاتفاق النووي، لكن هذه المواقف الأميركية، وإن أكدت إبقاء الباب مفتوحاً على التفاوض مع الثلاثي الغربي، فإنها تصرّ على رفع السقف وإحكام الضغوط على الأوروبيين، لتوسيع دائرة أي عقوبات قد يفرضها الاتحاد الأوروبي، خصوصاً مع ملاحظة الاتهامات الجديدة التي ساقها وود حول دور المفتشين الدوليين في إيران.

حذر المئات من البرلمانيين الأوروبيين واشنطن من مخاطر الانسحاب


تعقيد الأميركيين للملف، على مسافة أيام من زيارة سيقوم بها الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية إلى الولايات المتحدة، يستهدف إخضاع المعارضين الأوروبيين لمشروع العقوبات الذي يقوده الثلاثي. إلا أن المعارضة الأوروبية آخذة في الاتساع على ما يبدو، تقابلها ضغوط مكثفة من واشنطن والترويكا الغربية على حكومات الدول المعارضة، وفق ما نقلت «رويترز» عن دبلوماسيين أوروبيين يؤكدون ملاحظة توسع هذه الضغوط بعد التوتر الذي يشهده الملف السوري، ما يشي بإصرار ترامب على تحشيد أي جهد تصعيدي ضد طهران، بمعزل عن مصير الاتفاق.
وفي مؤشر على تصاعد المعارضة داخل الدول الأوروبية لمشروع ترامب ضد إيران، وقع مئات من نواب برلمانات بريطانيا وفرنسا وألمانيا (الدول المسوّقة للعقوبات)، أمس، على خطاب مشترك وجهوه إلى الكونغرس الأميركي، يطالبون فيه بكف يد ترامب عن تقويض الاتفاق النووي. ونشر 484 عضو برلمان في الدول الثلاث خطاباً مشتركاً، حذروا فيه من أن انسحاب الولايات المتحدة «ستكون له عواقب كارثية»، وسيضع الاتفاق «في خطر كبير، وقد يدفع الإيرانيين إلى إلغائه، وإطلاق سباق تسلح نووي في المنطقة». وتوجهوا إلى الكونغرس بالقول: «ندعو أعضاء الكونغرس إلى تقديم الدعم الكامل للاتفاق النووي مع إيران، ومنع حكومة بلادهم من تقويض أحد أهم الإنجازات الدبلوماسية».
ونبّه النواب إلى أن تقويض الاتفاق يمكن أن «يؤدي إلى توتر في العلاقات عبر الأطلسي، ويدفع أوروبا إلى التقارب الإجباري مع الصينيين والروس، في محاولة للإبقاء على الاتفاق». ووفق البرلمانيين المعارضين لمشروع ترامب، فإن الانسحاب من الصفقة سيلحق «ضرراً كبيراً بصورة الغرب في العالم»، وسيقلل من «قيمة كل الوعود والتهديدات التي تصدرها بلادنا مستقبلاً»، وسيقوض كذلك «نظام تفتيش ومراقبة البرنامج النووي الإيراني، ما سيمثل بدوره مصدراً جديداً للصراع في الشرق الأوسط وخارجه».
وإذ أكد الموقعون مشاركتهم واشنطن «القلق» من ما سموه «سياسات إيران العدائية في الداخل والخارج»، عبّروا في الوقت ذاته عن قناعتهم «بشدة بأنه يجب التعاطي مع هذه السياسات بشكل منفرد، وليس في إطار الاتفاق النووي». وبحسب ما أشارت إليه مجلة «دير شبيغل» الألمانية التي نشرت الخاطب، فإن الموقعين عليه هم 362 نائباً فرنسياً، و70 نائباً بريطانياً، و52 نائباً ألمانياً، ويمثلون «مختلف الأطياف السياسية في البلدان الثلاثة».