تشهد الولايات المتحدة ودول مركزية أخرى في منظومة الرأسماليات البرلمانية أزمات مؤسساتية وسياسية، تشير إلى تلك التحولات الهامة في توازنات السلطة السائدة وعمليات صناعة القرار. في زمن مضى، عندما كان البعض غارقاً في نشوة انتصار نموذج الرأسمالية البرلمانية، أو الديموقراطية إن شئت، راجت سردية مفادها بأن تفوّق هذه الأخيرة يعود أولاً إلى كونها دولة قانون ومؤسسات تصدر فيها السياسات والقرارات عن آليات طويلة ومعقدة تقوم على التفاعل والتشاور، بين مؤسسة الرئاسة والوزارات المعنية ومراكز الابحاث ونخب الفكر، على العكس من الأنظمة السلطوية التي تصدر فيها القرارات وفقاً لرؤى وحتى أمزجة قائد «ملهم» أو «طغمة ضيقة».

إن صدقية هذه السردية على المحك مع ما يصيب الاستراتيجية الأميركية من تقلبات حادة إزاء الأزمة السورية وفي مهل زمنية قصيرة جداً. كما أصابت ملفات أخرى لا تقل أهمية عنها، كالموقف من روسيا أو الأزمة السعودية- القطرية، والتي توازي في الواقع غياب الاستراتيجية الفعلية. يعزى هذا الغياب إلى احتدام الخلافات بين أقطاب صنع القرار داخل المؤسسات السياسية، وتحكّم زمر صغيرة بعملية صنع القرار على حساب تلك المؤسسات تغلب فيها مصالحها المباشرة على الاستراتيجية الكبرى المفترضة للدولة.
فقبل أن يعلن وزير الخارجية الأميركي السابق، ريكس تيلرسون، عن معالم جديدة لاستراتيجية واشنطن في سوريا، وهو يلقي خطابه الشهير في «معهد هدسون» في السادس عشر من كانون الثاني الفائت، لم تتجاوز استراتيجية دونالد ترامب كونها استمرارية غير معلنة لسلفه باراك أوباما. وكان اختصارها يسيراً في معادلة تقول إنها تمنح الأولوية لقتال «داعش» في سوريا. اعتبر تيلرسون آنذاك أن للولايات المتحدة أهدافاً جديدة في سوريا غير القضاء على فلول «داعش»، أهمها احتواء نفوذ إيران المتعاظم والبقاء في سوريا من أجل الإشراف على الانتقال السياسي. جاء الإعلان عن مشروع تجنيد ثلاثين ألف مقاتل عشائري شرق الفرات، ورفد المنطقة بإدارة محلية، لتترجم التوجهات السورية لتيلرسون بالبقاء. إلا أن استقالته أو إقالته بالأحرى، وما تلاها من إفصاح ترامب عن رغبة معاكسة بسحب الألفي جندي أميركي من سوريا وإحلال قوة عربية محلهم وتمويلها من حلفائه، جسّد مفترقاً إضافياً في تعرجات وتقلبات السياسة الأميركية ووعورة مسالكها في المنطقة.
أثار هذا القرار اعتراضات البنتاغون ووزارة الخارجية لاعتبارهما إياه تخلياً عن حلفاء أميركا في سوريا، والتراجع فيها أمام إيران وروسيا. بات من الواضح اليوم أن رؤية تيلرسون لم تكن لتحظى باجماع أقطاب صناعة القرار في الولايات المتحدة، وأن قرار ترامب هو الآخر لا يحظى بمثل هذا الاجماع، مع فرق إلزاميته لصدوره عن موقع الرئاسة. تقول المعطيات الواردة من واشنطن إن تيلرسون اعتمد لبلورة رؤيته على فريق ضيّق وخاص، وهو فريق التخطيط السياسي (policy planing staff) وليس على الجهاز البيروقراطي الكبير والمتعدد التوجهات لوزارة الخارجية، والممر الإجباري تقليدياً في أي عملية لبلورة السياسات.
فعمداً همّش وزير الخارجية هذا الجهاز، وحاول أن يفرض رؤيته قسراً لعلمه أنها لن تحصد الاجماع المطلوب داخله، وافتقادها عنصر الرعاية الرئاسية.
وعلى المقلب الآخر من الإدارة أقدم الرئيس ترامب على فرض رؤيته قسراً، ومن خارج القنوات التقليدية لبلورة السياسات أيضاً، التي تم تهميشها لمصلحة الفريق العائلي الضيق، والقادمين الجدد إلى مجلس الأمن القومي وآخرهم مستشاره جون بولتون.
بدّد التعاطي الأميركي مع الأزمة السعودية ــ القطرية ما تبقى من شكوك في بقاء المؤسسات الأميركية في قلب عملية رسم الاستراتيجيات والسياسة الخارجية. لم يعمّر طويلاً ذلك الانطباع بوجود استراتيجية لاحتواء إيران في قلب الخليج اثر مؤتمر الرياض الذي جيء إليه بحشد عربي وإسلامي غير مسبوق من أصدقاء أميركا. فما انفض عقد هؤلاء حتى دوّى الانفجار السعودي- القطري، وبدلاً من السعي إلى اصلاح ذات البين كما يجدر بالرئيس الأميركي راعي المتخاصمين، للتركيز على أولوية مواجهة طهران، كان ترامب ينحاز إلى الطرف السعودي ضد القطري، ولكن ليس للأسباب التي يمكن أن تذهب الظنون إليها، إذ أعجز تفسير هذا الانحياز كل المحللين الذين انطلقوا لفهمه من القواعد والحسابات التقليدية حصراً للمصالح الأميركية.
الصحافي دكستر فيلكنز قدّم في «نيويوركر» معطيات وتفسيراً جديداً لما جرى، ربط فيه الانحياز للسعودية باستنكاف القطريين عن عقد صفقة عقارية مع مستشار الرئاسة وصهرها جاريد كوشنر. وعزى البعض معارضة تيلرسون للتصعيد ضد قطر خدمة لمصالح شركة «اكسون-موبيل» النفطية، والتي جاء من رئاسة مجلس إدارتها إلى وزارة الخارجية. أما مسعاه المحموم للتفاهم مع تركيا، فيدخل في باب التأثير القطري عليه، واتباعه نصائح رئيس فريقه ريتش أوتسن، التركي الهوى. ساحات أخرى للصراع بين دولة الأمن القومي ودونالد ترامب وفريقه، يمكن إيرادها دلالة على احتدام الخلاف على الإمساك بناصية القرار في ما ينبغي أن تكون عليه العلاقات مع روسيا مثلاً، خصومة أو هدنة أو سباق تسلّح وحرباً باردة. تصدر مواقف ترامب «الروسية» عن مجموعات رجال أعمال ورأسماليين كبار تتقاطع مصالحهم مع جماعات مماثلة في «روسيا فلاديمير بوتين». أما الدولة العميقة فتنازع الرئاسة تقاربها مع بوتين، الذي تسميه ثلاث وثائق أمنية وطنية ودفاعية واستراتيجية، التهديد الأول للأمن القومي الأميركي، وتعبّر في ذلك عن مصالح المجمع الصناعي العسكري الأميركي ونزوعه إلى تنشيط أسواق التسلح والحرب الباردة.
عاملان منجدان في تفسير هذا التطور الذي طرأ على بنية الدولة وآليات صناعة القرار وتلوّي مسالك السياسة الأميركية. المنجد الأول تُجسّده التحولات الناجمة عن العصر النيوليبرالي للرأسمالية الذي يشهد اندماجاً غير مسبوق بين جماعات مصالح رأسمالية متباينة ومراكز القيادة السياسية. إذ تقادم العهد على انتظام الدولة ودأبها المعروف في الدفاع المتوازن عن الرأسمالية على اختلاف كتلها وتباين اجنحتها. كما أن الاندماج المتزايد لعقدين سلفا، بين مراكز القوى في الدولة التقليدية واستيلاء ممثلي الشركات الكبرى على بعض هذه المراكز وتنازعها، يسهم في العجز عن بلورة استراتيجية موحدة وواضحة، وتكاثر ورحلات الذهاب والإياب بين محطات متناقضة في السياسة الخارجية. زاد من ذلك إنشاء أطر موازية لمؤسسات صناعة القرار في الولايات المتحدة، ومنفكة عنها، ليخرج إلى العلن تنافس المجموعات الكبرى الوافدة إلى قلب السلطة على الإمساك بالقرار.
المنجد الثاني، هو تراجع الهيمنة الأميركية بالتزامن مع هذه التحولات النيوليبرالية، وهو تراجع فرض إجراء مراجعات للسياسة الخارجية، في مهل أكثر تواتراً من الماضي، مضاعفاً من حدة الخلافات حول أصحّ الخيارات. فعندما كانت الولايات المتحدة تهيمن من دون منازع، خصوصاً في الفترة التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات، كان التنوع في الآراء والاتجاهات داخل الإدارة الأميركية، يُدار بسيولة وتدفق. وسورياً مثالاً. أوحى ترامب عندما طرح فكرة الضربة أنه ذاهب إلى تحويل الساحة السورية إلى ميدان مواجهة كبيرة وواسعة مع روسيا ومحور المقاومة، لكن تراجع القوة الأميركية، كما يدركها العسكريون في البنتاغون، أعاد القرارات الرئاسية إلى أرض الواقع. إن تعطيل آليات التفاعل والتشاور داخل الإدارة الأميركية، يدفع الرئيس إلى ارتجال القرارات على «تويتر»، كثيراً من الأحيان، ليتم تصحيحها مباشرة وفي شكل علني من قبل الأجنحة الأخرى في الدولة. فالرئيس ترامب لا يزال غير مدرك لحقيقة تراجع القوة الأميركية، وهو أمر يزيد من حدة الخلافات مع دولة الأمن القومي، أمداً مفتوحاً ومن دون حساب. وعندما تصبح آليات صناعة القرار رهينة زمر موازية للمؤسسات، ستجد صياغة سياسات متسقة منطق البورصات والمدى القصير، ويصبح زمن الدولة ومصالحها العليا التي تعبّر عن نفسها تاريخياً على المدى الطويل، ترفاً من عهود مضت وولّت.