في غضون يومين، توافد القطبان الأوروبيان إلى العاصمة واشنطن. بعد «زيارة الدولة» للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حلّت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ضيفة على البيت الأبيض في زيارة «سريعة»، قيلَ على نطاق واسع إنّها ستتناول مسألتين: أفق المستقبل النووي مع إيران، ومسألة العلاقات التجارية بين ضفتي المتوسط في ظل إصرار ترامب على فرض رسوم على الفولاذ والألمنيوم، الأمر المرتقب تطبيقه في بداية الشهر المقبل.

على رغم أي تنسيق مسبق، أو تقاسم أدوار مفترض، بين ميركل وماكرون، لإرساء «حوار مثمر» مع الرئيس دونالد ترامب، فإنّ الإعلام ركّز على أنّ «الفوارق في المظاهر» بين زيارتي الزعيمين الأوروبيين «بارزة جداً»، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الباحثة في «جامعة كورنيل» منى كريويل، مضيفةً أنّ تلك الفوارق تشير إلى «علاقة أكثر صعوبة بين ترامب وميركل»، فيما رأت الوكالة الفرنسية أنّ «هذا تغيّر دراماتيكي بالنسبة للزعيمة الألمانية التي ولأكثر من عقد من الزمن اعتُبرت في واشنطن ليس فقط محاوراً براغماتياً ومنطقياً، بل أيضاً زعيمة لأوروبا بحكم الأمر الواقع». لكن هذه الزاوية «الإعلامية» لم تكن كافية لمتابعة الزيارة، لسببين: الأول أنّ حديث ميركل في شأن إيران كان قريباً من إعلان ماكرون في الخصوص، ما يعني أنّ الموقف الأوروبي مال بصفة عامة نحو موقف ترامب في محاولة لمنعه من «تمزيق» الاتفاق النووي، كما يُبرر، وهو يُقدّم له عرض مفاوضة إيران بصفقة إقليمية شاملة. في هذا السياق، قالت ميركل خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع ترامب: «نعتبر الاتفاق النووي الإيراني مرحلة أولى ساهمت في إبطاء أنشطتهم على هذا الصعيد بصورة خاصة... لكننا نعتقد أيضاً من وجهة نظر ألمانية أن هذا غير كاف لضمان كبح طموحات إيران واحتوائها»، مضيفة أنّه «يجب أن يكون هناك توافق بين أوروبا والولايات المتحدة حول هذا الموضوع... وحول البحث عن حل سياسي لحمام الدم الرهيب في سوريا، وللمنطقة ككل»، مشيرة أيضاً إلى ضرورة «احتواء» مسألة برنامج الصواريخ البالستية لإيران، و«كبح» نفوذها السياسي الإقليمي في «سوريا ولبنان والعراق».
أما السبب الثاني، فلعلّ من المهم التذكير بأنّ الرهان الألماني أكبر من شكليات القمة، ومظهرها. فبرلين، بصفة خاصة، تُدرك أنّ «العالم أصبح أكثر تعقيداً، والولايات المتحدة لم تعد شريكاً يوثق به (وقد لا تعود لما كانت عليه بعد رحيل ترامب)، وبالتالي علينا تحرير أنفسنا، فالأيام التي كان بإمكاننا الاعتماد على الولايات المتحدة، وترك كل الأعمال القذرة لها، أصبحت خلفنا»، كما كتب الصحافي في «در شبيغل» الألمانية، كلاوس برينكبومر، قبل أيام. وجدير بالذكر أنّ هذا ما أعربت عنه نسبياً ميركل بنفسها أمس، في سياق ردّها على سؤال لأحد الصحافيين، قائلة: «نعم على ألمانيا وأوروبا أن يمسكا مصيرهما بين يديهما، لأنه لا نستطيع الاستمرار كما كان الأمر خلال الحرب الباردة... الاعتماد على أميركا للحضور ومساعدتنا».

ميركل: على ألمانيا وأوروبا أن يمسكا مصيرهما بين يديهما


هذه الخلفية المشكلة من نقطتين، تجعل غير غريب القول إنّ الغربيين يتجهون، بمبادرة أوروبية، نحو محاورة إيران تحت شعار صفقة إقليمية شاملة، كان ماكرون قد طرح ركائزها قبل ثلاثة أيام في البيت الأبيض. لكن النقطة الثانية لهذه الخلفية، تفيد بأنّ منظومة التعاون ما بين ضفتي الأطلسي باتت تقوم على تجزئة الملفات بصورة أضخم مما مضى، وهذا ما يُنذر بالتراجع في السياسة الدولية وباقتراب انتهاء صلاحية «الوحدة الغربية» المعهودة بالإجمال منذ عقود. من مؤشرات ذلك تعليق أحد المسؤولين الأميركيين السابقين على «تويتر»، بالقول: «ميركل وماكرون، يحاولان تقريب ترامب من الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لن يحصل لأنّ ترامب يعرف كيف يُلاعب الطرفين».
من جهة ترامب، فيمكن استخلاص نقطتين من تصريحاته أمام ميركل أمس. الأولى امتناعه عن التعليق على ما إذا كان قد يفكر في استخدام القوة ضد إيران، قائلاً: «أنا لا أتحدث عما إن كنت سأستخدم القوة العسكرية أم لا... لكنني أستطيع أن أقول لكم، لن يمتلكوا أسلحة نووية... لن يحصلوا على أسلحة نووية، ويمكنكم أن تعولوا على هذا». وفي نقطة لافتة أخرى، أعلن أنّه قد يزور القدس المحتلة لمناسبة افتتاح السفارة الأميركية التي قرر نقلها من تل أبيب، وقال بالخصوص إنّ «السفارة في القدس كانت وعداً قطعه العديد من الرؤساء، كلهم قطعوا وعوداً انتخابية ولم يجدوا يوماً الشجاعة لتنفيذها. أنا فعلت ذلك، وبالتالي، فإنني قد أتوجه إلى هناك».
في سياق العلاقات المتوترة بين جانبي «الأطلسي»، بخاصة على صعيد التجارة وفرض رسوم أميركية إضافية، لم تستبعد المستشارة الألمانية التوصل إلى اتفاق ثنائي للتجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مضيفة أن منظمة التجارة العالمية غير قادرة على انتاج اتفاقات متعددة الأطراف. وقالت: «نريد تجارة تماشي النظام التجاري المتعدد الأطراف لمنظمة التجارة العالمية، لكننا نعترف أيضاً بأنه لسنوات كثيرة جداً، فإنّ منظمة التجارة العالمية كانت غير قادرة على انجاز اتفاقية دولية»، مشيرة إلى أنّه لهذا السبب هي لا تستبعد مفاوضات ثنائية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في وقت قال فيه ترامب إنه ملتزم بمعالجة الاختلالات في التجارة بين الطرفين.
على صعيد العلاقات نفسها، كرر ترامب دعوته إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي لزيادة «مصاريفهم الدفاعية»، في إشارة إلى طلبِه من الأوروبيين تخصيص 2 في المئة من الناتج الإجمالي لكل دولة، للنفقات الدفاعية، علماً أنّ آخر موازنة ألمانية، وقفت عند حدود نسبة 1.3 في المئة، وقد أكدت ميركل هذه النسبة أمس، وهذا يؤكد أيضاً أنّ ملفات العلاقات بين ضفتي الأطلسي باتت مجزأة أكثر من أي وقت مضى.