لم يتمكّن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من إقناع أغلب المعلقين السياسيين والأمنيين بالقيمة الإضافية التي قدّمها في الكلمة/ العرض التي ألقاها مساء أمس حول البرنامج النووي الإيراني. منشأ الانتقادات التي تلقّاها، من تل أبيب قبل أيّ عاصمة اقليمية أو دولية، يعود إلى أن ما أدلى به ليس فيه أي دليل على أداء إيران وسلوكها في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، كما أكد العديد من المعلقين الإسرائيليين. وهذا ما دفع المعلق العسكري في القناة العاشرة، ألون بن ديفيد، إلى القول إن «الإنجاز الاستخباري رائع، لكن من دون إثبات على أن إيران تواصل العمل على برنامج الاسلحة بعد الاتفاق».

في المقابل، تمكّن نتنياهو من انتزاع إعجاب المعلقين أنفسهم بطريقة العرض والأداء المحترف الذي يتميّز به.
ميزة الممثل البارع ــ على النحو الذي ظهر فيه أمس ــ مشهور بها في الساحة الإسرائيلية، ويسلّم لّه بها حتى من خصومه في الساحتين السياسية والاعلامية.
مع ذلك، ما تقدم لا يقلل من الرسائل والأبعاد التي ينطوي عليها قرار نتنياهو تقديم ما قال إنه معلومات استخبارية إسرائيلية في هذا التوقيت بالذات. بل هي خطوة مدروسة وهادفة من قبله تتصل بالسياقين الاقليمي والدولي، وذات صلة بمآلات الصراع الذي تشهده المنطقة بين محور المقاومة وبين إسرائيل والمعسكر الغربي. وبدقة أكثر، يرتبط هذا التوقيت تحديداً بتاريخ الثاني عشر من الشهر الجاري، حيث من المفترض أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره النهائي بخصوص الموقف من الاتفاق النووي. وتعكس التقارير التي قدّمها نتنياهو أيضاً عزمه على مواصلة مكافحة الاتفاق النووي، واستمرار الضغط على الدول التي شاركت في التوقيع عليه وما زالت تؤيده.
لم يكن صدفة قرار نتنياهو التحدث باللغة الانكليزية، وذلك بهدف مخاطبة الرأي العام الغربي مباشرة، ومحاولة التأثير عليه عبر الإيحاء بأن إيران تسعى إلى إنتاج أسلحة نووية. وحاول نتنياهو من خلال ذلك أن يقدم معطيات يواجه من خلالها تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أكدت أكثر من مرة التزام طهران بالاتفاق النووي. ومع أن من غير المتوقع أن تسهم هذه المعطيات التي أوردها رئيس الوزراء الاسرائيلي في تغيير مواقف رؤساء الدول المؤيدة للاتفاق، وتحديداً رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، ولا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولا المستشارة الالمانية أنجيلا مركيل، وهو ما أشارت إليه أيضاً القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، توقعت هذه القناة أن يتمكن نتنياهو من إقناع مستشار الامن القومي الأميركي جون بولتون فقط! مع ذلك، يمكن التقدير أنه لن يتمكن من إحداث تغيير ما لدى الرئيس الاميركي نفسه، لكن ربما يستعين به ليبرر موقفه المتخذ مسبقاً. ويعود سبب هذا الإخفاق الذي برزت نتائجه في الساحة الداخلية الإسرائيلية، أنه كان على نتنياهو في ضوء التمهيد الذي قدّمه لخطابه خلال النهار أن يقدم أدلة قاطعة على مساعي إيران لإنتاج أسلحة نووية، وهو ما لم يفعله بإجماع كافة قنوات التلفزة الإسرائيلية التي لم يدَّعِّ أحد منها خلاف ذلك.
وكما في كل محطة مشابهة لرئيس وزراء يواجه تحقيقاً جنائياً قد ينهي حياته السياسية ويزجّ به في السجن، على خلفية التهم التي يجري التحقيق معه حولها، يحضر التوظيف الداخلي في مثل هذه المحطات، ويحضر معها أيضاً التشكيك في خلفية المواقف والخطوات التي يبادر اليها، حتى في القضايا التي تتصل بالأمن القومي. وهو ما حضر في مقاربة معلق الشؤون السياسية في القناة العاشرة، رفيف دروكير، بالقول «لم يقم أي رئيس حكومة إسرائيلي في الماضي بعرض كهذا، فيه مكاتب مع ملفات حقيقية وغير حقيقية، يحرك شاشات... وهو يفعل ذلك لسبب واحد، وهو سياسي داخلي». ويرى دروكر أن هدف نتنياهو، من خلال هذا المؤتمر فقط، القول «لجميع الاشخاص الذين قالوا اجلس جانباً لأن لديك الكثير من المشاكل، حتى من داخل الليكود، وعُدْ بعد أن تحل مشاكلك، أنا من يمكنه أن يحارب المشروع النووي الإيراني. ما يهم نتنياهو هو خلق قصص تبرر بقاءه في منصبه بالرغم من جميع أزماته السياسية».



إيران تطوّر أسلحة نووية
ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأنه يمتلك «أدلة قاطعة» على وجود «برنامج سري» لدى إيران لتطوير الأسلحة النووية. وخلال مؤتمر صحافي عقده في وزارة الدفاع أمام ما سمّاه «قبواً مليئاً» بالوثائق النووية الإيرانية، التي زعم أنه «تم الحصول عليها قبيل أسابيع» (علماً بأن معظمها يعود إلى ما قبل إبرام الاتفاق النووي عام 2015)، اتهم نتنياهو إيران بـ«الكذب»، قائلاً إن «100 ألف ملف سري تثبت أن طهران تمتلك برنامجاً للأسلحة النووية»، مضيفاً أنها «واصلت الحفاظ على خبراتها المتعلقة بالأسلحة النووية، وعززتها لاستخدامها في المستقبل». كذلك، ادعى بأن إيران «أخفت مواقعها النووية عام 2017 في جنوب طهران»، معيداً التذكير بمشروع «AMAD» الإيراني، الذي يتم فيه بحسب زعمه «تصميم رؤوس نووية وإنتاجها واختبارها». وأضاف أن إيران «تُصنّع السلاح النووي لوضعه على الصواريخ الباليستية»، لافتاً إلى أن بمقدور هذه الصواريخ «الوصول إلى الرياض وموسكو وتل أبيب». ووصف نتنياهو الاتفاق النووي بأنه «قائم على الأكاذيب»، معتبراً أنه «يمنح إيران طريقاً مباشرة لترسانة نووية». وعبّر عن ثقته بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، «سيفعل الصواب في مراجعة الاتفاق».
(الأخبار)