نجحت توقعات المحللين الإسرائيليين لنتائج عرض بنيامين نتنياهو الصحافي. فَشِل الرجل في إقناع العالم بما قدمه. وإن كان الموقف الأميركي المبيّت حاضراً للتفاعل إيجاباً مع مزاعم نتنياهو، إلا أن زوبعة المؤتمر الصحافي لم تتعدّ حدود البيت الأبيض. وعلى رغم أن الأوروبيين قد انصاعوا إلى ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عبر تبني فكرة «الاتفاق الشامل»، والدعوة إلى التفاوض مع إيران على اتفاق جديد، فإن الثلاثي، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لا يزال متمسكاً بالاتفاق إلى حين تبلور الفكرة الجديدة.

بالنسبة للترويكا الغربية، الاتفاق أمر واقع يجب الإبقاء عليه إلى حين صياغة اتفاق جديد، والخروج منه لن يخدم هدف منع إيران من تطوير سلاح نووي. ففي العواصم الأوروبية، لم يُعثر على أصداء لعرض نتنياهو النووي، على رغم اتصالات رئيس الوزراء الإسرائيلي بالزعماء الغربيين، ومحاولته الحثيثة الإسهام في تأمين غطاء أكبر لما سيقرره ترامب الأسبوع المقبل في موعد 12 أيار. وحده ترامب، على ما يبدو، يأخذ كلام نتنياهو على محمل الجد، بعدما استغلّ عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي للقول إنه كان «على حق 100 في المئة» في رفضه الاتفاق واعتباره مشوباً بـ«العيوب»، مضيفاً: «ما كشفت عنه إسرائيل... هو وضع غير مقبول».
لكن بالنسبة لبقية شركاء الاتفاق النووي، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما قبل مؤتمر نتنياهو الصحافي كما بعده تماماً. إذ أكد متحدث باسم الوكالة الدولية أن هيئة حكامها «أعلنت إنهاء النظر في هذه المسألة» بعد التقرير الصادر في كانون الأول 2015. ومع أن المتحدث باسم الوكالة تحفّظ عن الرد المباشر على نتنياهو، إلا أنه أوضح أن الوكالة لا تملك «أي مؤشر له صدقية إلى أنشطة في إيران على ارتباط بتطوير قنبلة نووية بعد عام 2009».
الفشل الذريع لتمثيلية نتنياهو امتد إلى تجاهل الأوروبيين لـ«الوقائع» الممجوجة التي أعاد تكرارها في العرض الذي قدمه، وتجديد كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التأكيد على التمسك بالاتفاق النووي. وشددت ميركل على أنه «سوف نواصل دفوعنا، وبالتحديد الحفاظ على الاتفاق النووي، علاوة على توسيع إطار العمل التفاوضي»، مكتفية بالقول إنه «من المهم أن تسارع إسرائيل إلى إحالة ما لديها من معلومات» إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. واعتبرت ميركل، في الوقت نفسه، أنه تنبغي مناقشة برنامج إيران الصاروخي ونفوذها السياسي في سوريا وهو «موقف الكثير من أعضاء الاتحاد الأوروبي». أما الرئيس الفرنسي فلا علم له بما سيتخذه نظيره الأميركي من قرار في 12 أيار، كما أكد أمس، إلا أنه دعا إلى التحضير للتفاوض على اتفاق جديد «أوسع نطاقاً، لأنني أعتقد أن لا أحد يريد حرباً في المنطقة، ولا أحد يريد تصعيداً في ما يتعلق بالتوتر في المنطقة». وأشار إلى أن مقترحه للتفاوض على اتفاق شامل استُقبل في واشنطن في شكل «إيجابي للغاية».
الموقف الأوروبي يفقد على ما يبدو، يوماً بعد آخر، هامش المناورة لمصلحة الموقف الأميركي التصعيدي، والذي جدده ترامب على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز، أول من أمس. إذ اعتبرت ساندرز أن الاتفاق النووي تم التوصل إليه «بناء على ادعاءات كاذبة لأن البرنامج النووي الإيراني كان أكثر تقدماً مما أشارت إليه طهران وقت التفاوض».
هذه المؤشرات السلبية لما سيكون عليه الموقف الأميركي في 12 أيار، تجعل الإيرانيين أكثر استعداداً للتعامل مع خروج أميركي مرجح من الاتفاق، حيث باتت طهران تتصرف وكأن الاتفاق سينهار الأسبوع المقبل. وهو ما يؤكده المسؤولون في طهران كل يوم، بأن الجمهورية الإسلامية «أعدت العدة للحالة الجديدة المتوقعة واتخذنا التدابير اللازمة»، وفق المتحدث باسم الحكومة باقر نوبخت. ورجّح نوبخت خروج واشنطن من الاتفاق، داعياً إلى الاستعداد للمرحلة التي اكتملت التحضيرات الإيرانية لها، محذراً من أن «الحصار الاقتصادي لن يزول وعلينا كسر هذا الحصار». ورأى نوبخت أن نتنياهو أراد «عبر الاستعراض إثارة موجة احتجاج عالمية ضد إيران والاتفاق النووي»، لكن طهران نجحت «في الحصول على تأييد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية».



نتنياهو: دليلك إلى استغباء العالم!

أوحى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في عرضه النووي الأخير، بأنه يكشف أسراراً كبيرة وخطيرة للمرة الأولى، في مسرحية أعد لها الكثير في الشكل، لكن من دون احترافية في المضمون. فبالنسبة إلى متابعي الملف النووي الإيراني، لم يحتج الأمر وقتاً حتى تنقلب زوبعة نتنياهو إلى موجة سخرية من المواد التي قدمها، وكأنها دليل يضبط طهران بالجرم المشهود. شكّل حديث نتنياهو عن مشروع «AMAD» السري سبباً كافياً لتهالك الرواية الإسرائيلية، بالنظر إلى أن الملف كان معروفاً للجميع، خصوصاً الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي تقرير لها صادر في 2 كانون الأول 2015، ذكرت الوكالة أن «جملة من الأنشطة المتصلة بتطوير جهاز تفجير نووي جرت في إيران قبل نهاية 2003»، موضحة أن المشروع الذي كان ضمن «جهود منسقة» لم تتجاوز أنشطته «مرحلة دراسات الجدوى والدراسات العلمية وحيازة بعض الكفاءات والقدرات التقنية». لكن ما لم يذكره نتنياهو، أن التقرير نفسه خلص إلى تأكيد أن لا مؤشرات «ذات صدقية» حول مواصلة هذه الأنشطة منذ عام 2009. سوء حظ نتنياهو لا يكمن فقط في تكذيب رئيس جهاز الموساد السابق، داني ياتوم، له، بل إن تقريراً مماثلاً للوكالة منشوراً على موقعها الإلكتروني منذ عام 2011 يذكر مشروع «AMAD» بالاسم، ما يجعل كلام نتنياهو مستهلكاً ومتأخراً سبع سنوات، أي ما قبل الاتفاق النووي بأعوام!