لندن | الجميع في بريطانيا كان متوجّساً في نهاية هذا الأسبوع من رسالة قويّة قد يبعث بها الناخبون في هذه الجولة من الانتخابات المحليّة الجزئيّة الهادفة إلى اختيار 4300 عضو في 150 مجلساً بلدياً، وستة مناصب «عمدة مدينة كبرى»، فتتسبب في كسر التوازن السياسي القائم في البلاد منذ الانتخابات النيابيّة المبكرة التي جرت العام الماضي والتي أبقت حزب المحافظين في السلطة من خلال أغلبيّة برلمانيّة هشّة.

حزب العمال كان يريد إشارةً إلى تأييد صريح من الناخبين يقوّي حظوظه في تولي السلطة خلفاً للتحالف الحاكم حالياً، بينما كان المحافظون بحاجة ماسة الى نتيجة إيجابيّة كتأكيد على استمرار الدّعم الشعبي لسياساتهم، ولا سيّما بشأن مفاوضات العلاقة مع الاتحاد الأوروبي (البريكست). لكن نتائج الاقتراع وإن تضمنت بعض التحولات المهمة في خريطة سيطرة الأحزاب على المجالس البلديّة، فإنّها في مجموعها بدت أقرب إلى إشعار بعزوف الناخبين عن اتخاذ موقف حاسم يمكن تفسيره سياسيّاً على المدى القريب.
التحوّل الاستثنائي الوحيد الذي يُقرأ بوضوح في النتائج كان خسارة «حزب استقلال المملكة المتحدة» 123 مقعداً من أصل 126 كانت له في البلديات التي أجريت فيها الانتخابات، علماً بأنّه الحزب البريطاني الأعلى صوتاً في دعم التوجه للخروج من الاتحاد الأوروبي. النسبة الأكبر من تلك المقاعد (حوالى 75% منها) ذهبت إلى حزب الليبراليين الديموقراطيين الذي يقف وحيداً بين الأحزاب الرئيسة داخل البلاد في تبني سياسة صريحة ضد «البريكست».

بعيداً عن صراع «الحزبين»، بدت الأحزاب الأصغر المستفيد الأكبر


حزب العمال البريطاني كسب حوالى 60 مقعداً إضافيّاً، وخاصةً في مجالس محليّة بأحياء لندنيّة، ونجح أيضاً في إبقاء بيرمنغهام، أي أكبر مجلس بلدي خارج العاصمة، تحت سيطرته. لكنّه تبادل المواقع في عدة بلديات مع حزب المحافظين، ما جعل تقدمه العام في خضم هذه الجولة غير كافٍ لتعزيز ثقة الحزب بفوز حاسم في حال إجراء أي انتخابات عامة مبكرة على مستوى البلاد. ورغم الحملة النشطة التي قام بها أنصار الزعيم اليساري لحزب العمال البريطاني جيريمي كوربن، في بلديات كثيرة لكسر سيطرة المحافظين، فإنّ تلك الجهود لم تأت بنتائج كاسرة للتوازن، الأمر الذي فسّرته وزيرة في الحكومة المحافظة بأنه «ربّما إشارة إلى وصول الفقاعة الكوربينيّة إلى أقصاها».
رئيسة الوزراء تيريزا ماي، وحكومتها، لم يخفوا ارتياحهم لعبور جسر هذه الانتخابات الجزئيّة من دون خسائر فادحة، بل حصل حزب المحافظين على ثلاثين مقعداً إضافيّاً وإن كان معظمها على حساب حزب الاستقلال المتلاشي من الساحة السياسيّة البريطانيّة. فالحكومة التي تواجه وقتاً عصيباً بسبب الفضائح المتتالية (تسبب آخرها الشهر الماضي باستقالة وزيرة الدّاخليّة) وبسبب التحديات المتصاعدة في مجال الجريمة والاقتصاد، ناهيك عن تعقد العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بمفاوضات «البريكست»، كانت تخشى من صفعة يوجهها الناخبون من شأنها زيادة موقفها ضعفاً، لكن هؤلاء اكتفوا بالتلميح لا التصريح، وتركوا الكرة في ملعب السياسيين وانصرفوا إلى شؤونهم اليوميّة.
بعيداً عن صراع الحزبين الكبيرين، بدت الأحزاب الأصغر والمستقلون المستفيد الأكبر من نتائج هذه الجولة الانتخابيّة. إذ استعاد الليبراليون الديموقراطيون بعضاً من ثقة كانوا بأشد الحاجة إليها بعد نتائجهم المخيبة للآمال في الانتخابات النيابيّة العامة في أيار/ مايو الماضي، وخصوصاً أنهم استعادوا السيطرة على مجلسين بلديين في لندن، كما زاد حزب الخضر مقاعده من 31 إلى 39، والمستقلون من 96 إلى 112.
كلمة الناخبين إذاً هي لاستمراريّة الوضع القائم، لا التغيير، وتلك رسالة ليست إيجابيّة بالنسبة إلى المعارضة، ولا بدّ أنّ قيادة فريق كوربن ستقضي الأيام القليلة المقبلة في اجتماعات مكثفة لمحاولة فك ألغاز تلك الرسالة.