عاشت إسرائيل أمس، وما زالت، حالة استنفار واستعداد حربيين، تخلله استدعاء للاحتياط وفتح الملاجئ في مستوطنات الجولان والجليل على خلفية ردّ إيراني وشيك على اعتداءات إسرائيلية، تبيّن أنه أضيف إليها اعتداء آخر ليلة أمس، زاد من الاحتقان والتوتّر، وأنذر بجولة قتال، أكدت إسرائيل أنها مستعدة لخوضها.

وفيما أعلن الجيش الإسرائيلي، في بيان له أنه نشر أنظمة الدفاع الصاروخي ووضع قواته في حالة تأهب قصوى واستدعاء احتياط أنظمة الدفاع الجوي «تحسّباً لهجوم إيراني بعد رصد نشاطات غير عادية للقوات الإيرانية في سوريا»، وردت معلومات في الموازاة عن اعتداء إسرائيلي جديد طاول جنوب العاصمة السورية دمشق، بالقرب من موقع للجيش السوري في منطقة الكسوة.
وقال مصدر عسكري رفيع، وصفته وكالة رويترز بـ«القائد في تحالف إقليمي يدعم الرئيس بشار الأسد»، إن «ضربة جوية إسرائيلية استهدفت موقعاً للجيش السوري من دون أن تسفر عن سقوط قتلى أو جرحى». وذكرت وكالة «سانا» الرسمية أن دوي انفجارات سمعت قرب الكسوة، وقالت إن الدفاعات الجوية «تصدت لصاروخين إسرائيليين ودمرتهما».
وسبق الاعتداء الإسرائيلي، الذي وصفته مصادر بالمحدود، مواقف وتصريحات أنذرت بقرب تساقط صواريخ على «الأراضي الإسرائيلية» سبّبت حالة من الخشية والقلق لدى المستوطنين، خاصة أن التقارير العبرية تحدثت عن إمكان مواجهة حالات تسلل إلى المستوطنات، أثارت الرعب بمستوى مرتفع جداً.
وفيما تداخلت التصريحات والتحذيرات مع الأحداث، برزت أمس الكلمات التي ألقيت في مؤتمر «هرتسليا» الذي بدأ فعالياته مع غلبة واضحة «للتهديد الإيراني» في كلمات المسؤولين على اختلافهم، برز ميل واضح لدى المستويين السياسي والعسكري لطمأنة الجمهور، في موازاة رسائل تهدف إلى ردع الإيرانيين، وهي مهمة متناقضة، لا يبدو أن تل أبيب قد نجحت فيها.

سكان 140 مستوطنة يعقدون اجتماعات متواصلة لتقدير الوضع وفحص جاهزية الطوارئ


أضيفت إلى القلق الإسرائيلي، عوامل قلق أخرى متأتية من الكلمة التي كانت مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب طوال اليوم الماضي، وترجيح إسرائيل إمكان انسحابه من الاتفاق النووي، الأمر الذي حصل بالفعل ودفع إلى مزيد من الخشية والاستعدادات، التي عبّرت عن نفسها جاهزية عسكرية وسياسية. وكذلك على صعيد الجبهة الداخلية واستعداداتها، مع التأكيد المسبق لإمكان أن ينعكس سلباً وربما دفعاً، للردّ الإيراني وتقديم موعد تنفيذه.
إلغاء رئيس أركان الجيش، غادي أيزنكوت، كلمته التي كانت مقررة أمس في المؤتمر، ربطاً باستنفار الجيش على خلفية الرد الإيراني المرتقب، وكذلك ترقب كلمة ترامب وانسحابه من الاتفاق، لم تنسحب على بقية الوزراء الذين جاءت كلمتهم في اتجاه واحد: التهديد الإيراني ورسائل ردعية مواجهة للوجود الإيراني في سوريا، رفضاً للتمركز العسكري المعادي فيها، مع التأكيد أن إسرائيل ستواجه هذا التمركز مهما كانت التبعات.
وفيما توالت كلمات الوزراء الإسرائيليين في هرتسيليا، برز منها كلمة عضو المجلس الوزاري المصغر، وزير المالية موشيه كحلون، الذي أكّد ضرورة الهدوء، في مقابل تأكيد ضرورة مواجهة التهديد الإيراني. وقال في كلمته إنّه «في الأجواء توتّر كبير جداً قد يكون هو الأكبر في السنوات الثلاث الأخيرة التي أشارك فيها في المجلس الوزاري المصغر». وأشار، في ما عدّ رسالة طمأنة إلى المستوطنين، إلى أنّ «الإيرانيين قرروا الرد، وعلينا أن نكون جاهزين، لكنني لا أعتقد أننا عشية حرب، وهي النتيجة التي أستطيع قولها بناء على المعلومات المعروضة أمامنا في الكابينت. لسنا عشية حرب عام 1967، على رغم التوتر الكبير في الشمال». لكن إلى جانب رسالة الطمأنة، أكد كحلون أن «إسرائيل لن تسمح بتمركز إيران في سوريا، ويجب على الحكومة أن تعمل على إزالة هذا التهديد».
وإضافة إلى كلمات أخرى، لوزراء ومسؤولين إسرائيليين سابقين وحاليين، شددت في معظمها على الموضوع الإيراني و«المواجهة» المحتومة مع إيران، أشار العضو الوزاري المصغر، نفتالي بينيت، الذي في العادة يطلق تصريحات متطرفة جداً و«خارج الصندوق المعتاد»، إلى ضرورة مواجهة إيران وصدها، لافتاً إلى أن «إسرائيل عملت ضد إيران بطريقة خاطئة في السنوات الماضية، وهو الأمر الواجب تغييره فوراً».
وكان رئيس الحكومة، بنيامين نتانياهو، قد أعاد التأكيد على «عدوانية» النظام الإيراني كما قال، في الكلمة التي ألقاها في ختام لقائه بنظيره اليوناني ألكسيس تسيبراس، والرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، في نيقوسيا أمس. وأشار إلى أن «النظام الإيراني له شبكة إرهابية عالمية ويسعى إلى إدخال أسلحة خطيرة للغاية إلى سوريا لتستخدم ضد إسرائيل بهدف معلن وهو إبادتها».
وأكد أنه من مصلحة الجميع منع تمدد إيران و«عدوانها»، موضحاً أنه في حال تمكنت الأخيرة من الوصول إلى البحر المتوسط فإنها تنوي إقامة قواعد بحرية عسكرية لترسو فيها سفن وغواصات إيرانية. وشدد على أن هذا الأمر يشكّل تهديداً حقيقياً للجميع، وإن لـ«إسرائيل الحق في الدفاع عن النفس».

قلق المستوطنين
التقارير المنشورة في اليومين الماضيين نقلاً عن مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة، والتعليقات المحذرة في أعقابها في الإعلام العبري، أثارت منسوباً مرتفعاً من القلق والخشية لدى المستوطنين الذين سارعوا إلى فحص الملاجئ والغرف المحصنة وإلغاء الحجوزات في الشمال والتخطيط للانتقال جنوباً. وبحسب مصادر عسكرية إسرائيلية، فإن إيران تخطط لإطلاق وشيك لصواريخ دقيقة باتجاه «شمال إسرائيل» رداً على الهجوم على مطار «تي فور» الشهر الماضي، في مقابل استنفار واسع النطاق وتعزيز انتشار الجيش الإسرائيلي في الشمال.
قلق المستوطنين دفع المسؤولين العسكريين لتوجيه رسائل طمأنة، أشاروا فيها إلى توقع صليات صاروخية دقيقة ضد أهداف عسكرية لا مدنية وبعيداً من المستوطنات، وهي ضربات ستكون محددة وبين جيوش. إلا أن هذه الطمأنة لم تكن كافية لتزيل خشية وقلق المستوطنين. فتجنّد عدد من الوزراء لتوجيه الرسائل للجمهور، ومن بينهم وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، الذي وصف قلق المستوطنين بالهستيريا: «شاهدت عناوين في الإعلام العبري هستيرية اليوم، لكن عليّ التأكيد أن لدينا الجيش الإسرائيلي ويمكن الاعتماد عليه، لا ضرورة للخوف ولا ضرورة للهستيريا، إذ إننا مستعدون وجاهزون لكل سيناريو ممكن».
وأشارت تقارير عبرية أمس، إلى أن السمة العامة في المستوطنات الشمالية، هي القلق والخشية وطرح الكثير من الأسئلة حول التأكيدات العسكرية عن إمكان تلقي صليات صواريخ إيرانية في الشمال. وبحسب القناة الثانية العبرية «يوجد ضغط كبير في الشمال، وكل طواقم الطوارئ في المستوطنات، وتحديداً في ما يزيد على 140 مستوطنة هناك من الجليل إلى غور الأردن إلى رأس الناقورة، يعقدون اجتماعات متواصلة وعلى مدار الساعة لتقدير الوضع وفحص جاهزية الطوارئ، وسط خشية لدى المستوطنين، تعبّر عن نفسها بأشكال مختلفة من مستويات القلق».