لم تُخفِ تل أبيب حقيقة أن قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات عليها، لم يكن إلا خدمة للأمن القومي الإسرائيلي، وجزءاً من خطة تستهدف الضغط على النظام الإسلامي في إيران على خلفية خياراته الاستراتيجية ودعمه لقوى المقاومة. وكشفت على ألسنة العديد من المسؤولين الرسميين بشكل مباشر عن رهاناتها بأن تساهم إعادة فرض العقوبات عليها، في الضغط على الشارع الإيراني للانتفاض على النظام ودفعه إلى التراجع عن سياساته الإقليمية، وعلى المدى البعيد، أن تؤدي دينامية التطورات إلى استدراج الولايات المتحدة لصدام عسكري مع الجمهورية الإسلامية.

هذا الطموح الإسرائيلي بات أكثر إلحاحاً بعد فشل الرهانات التي استند إليها الاتفاق على المسارين الإيراني الداخلي والإقليمي. من جهة، لم ينجح الاتفاق في إحداث تحوّل جذري على مستوى التوجهات الاستراتيجية الإيرانية. ولم تنجح معه أيضاً الرهانات الإقليمية التي واكبت التوصل إلى الاتفاق في عام 2015، في الساحتين السورية والعراقية، بل أدت التطورات التي توالت لاحقاً إلى تعزيز حلفاء الجمهورية الإسلامية، وتبددت معها كل الرهانات على تطويقها، وصولاً إلى إمكانية نقل المعركة إلى داخلها. وبرز دور السياسات الإقليمية لإيران في خلفية موقف دونالد ترامب من خلال تبنيه لكل ما كان يقوله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حملته على الاتفاق النووي، على المستويات النووية والإقليمية والصاروخية. ولذلك، لم يتأخر المبادرة إلى وصف قرار الرئيس الأميركي، بعد دقائق من إنهاء كلمته، «بالشجاع والصحيح»، داعياً الشعب الإسرائيلي إلى تقدير هذه الخطوة التي تهدف إلى «كبح عدوانية إيران».

دعا كاتس أوروبا إلى أن لا تكون «الخلية الأضعف»


على هذه الخلفية، تكشف سياقات قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من الاتفاق، وتوقيته والظروف المحيطة به، عن أنه يشكّل خياراً مضاداً بديلاً من فشل مسارات استُنفدَ الرهان عليها، وتجنّباً لبدائل أشد خطورة، ومحاولة لتفادي سيناريوات أكثر كلفة، في مواجهة المسار التصاعدي للجمهورية الإسلامية على الصعد الإقليمية والعسكرية والصاروخية، الذي أدى إلى تعزيز مكانتها الاستراتيجية ونفوذها الإقليمي، ولكبح تعاظم التهديدات المحدقة بالأمن القومي الإسرائيلي، وهو ما أقرّ به رئيس الدولة رؤوبين ريفلين الذي اعتبره «خطوة مهمة لضمان أمن إسرائيل». وعبّر عنه أيضاً وزير الأمن الداخلي غلعاد أردان، بالقول إن قرار ترامب سيؤدي إلى «وقف التدهور الأمني في المنطقة». وتطمح تل أبيب إلى أن يؤدي قرار الرئيس الأميركي إعادة فرض العقوبات على إيران، إلى مفاقمة مشاكلها الاقتصادية، على أمل أن يتدحرج ذلك باتجاه بلورة رأي عام داخلي ضاغط على النظام الإسلامي لتقديم تنازلات جوهرية تتصل بخياراتها الاستراتيجية، وتحديداً في الموقف من دعم قوى المقاومة، إضافة إلى تطوير قدراتها العسكرية. وهو ما سبق أن روَّج له نتنياهو في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، وكرره أمس رئيس الكنيست يولي أدلشتاين، عندما اعتبر أن إعادة «فرض العقوبات سيخنق النظام الإيراني». و«تشطح» بعض التقديرات الرسمية وغير الرسمية الإسرائيلية في رهاناتها على أن تساهم تداعيات عودة العقوبات الاقتصادية إلى تفاقم الوضع الداخلي، بما يؤدي إلى إضعاف النظام الإسلامي وإسقاطه. وأبرز من أعاد التعبير عن هذا الأمل، وزير الأمن أفيغدور ليبرمان الذي وصف موقف ترامب بأنه «خطوة قيادية شجاعة، ستؤدي في النهاية إلى إسقاط النظام» الإيراني. وليس بعيداً عن هذه الأجواء، يأتي موقف وزير الثقافة ميري ريغف التي رأت أن «وعد بلفور ضمِن وطن قومي لليهودي، وإعلان ترامب يحافظ على هذا الوطن القومي إلى الأبد».
في هذا السياق، تراهن تل أبيب، ومعها واشنطن، على أن يلقى الترويج لمعادلة ربط الانتفاع بثمار الاتفاق الاقتصادية مقابل التنازل عن خيارات الجمهورية الإسلامية على المستوى الإقليمي، أصداءً واسعة في الوسطين الشعبي والسياسي في الداخل الإيراني. لكن هذا الرهان نفسه لم يتحقق في السنوات التي سبقت الاتفاق، وهو ما دفع في حينه إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، إلى الإعراض عنه والبحث عن خيارات بديلة راوحت بين عدة مسارات إما مواصلة إيران تقدمها النووي من دون كوابح، أو الصدام العسكري المباشر أو التوصل الى اتفاق. من هنا، ينطوي الإصرار الإسرائيلي في الدفع نحو إعادة فرض العقوبات على مؤشرات كاشفة عن أن حقيقة الرهان الإسرائيلي، تكمن في أن يتدحرج هذا المسار نحو صدام عسكري أميركي ــ إيراني. وبذلك يتحقق السيناريو الأمثل الذي يحلم به القادة الإسرائيليون الذين يرفضون «تهمة» أنهم يسعون إلى استدراج الولايات المتحدة نحو حرب مع إيران، بل يهدفون إلى مواصلة الضغوط عليها وتصاعدها بما يضعفها ويفرض عليها التراجع وتقديم التنازلات.
مع ذلك، مشكلة خيار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، وترحيب إسرائيل به، أن الظرف الدولي الحالي، يختلف جذرياً عمّا كان عليه، عند فرض العقوبات الاقتصادية الدولية على طهران. والواقع أنه من دون إجماع دولي على فرض طوق اقتصادي على إيران لن يتمكن خيار ترامب – نتنياهو، من تحقيق الثمار المأمولة منه. وارتفع التحدي أمام الطرفين الإسرائيلي والأميركي، بعد رفض بقية الأطراف المشاركة في الاتفاق، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، لموقف ترامب. وفي محاولة للاستفادة من هذا التناقض الدولي، أتى ربط الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، موقف بلاده النهائي من الاتفاق بالموقف العملي لهذه الأطراف الدولية، وبمدى استفادة إيران الاقتصادية من الاتفاق. واستناداً إلى هذه المخاوف أيضاً، دعا وزير الاستخبارات إسرائيل كاتس، أوروبا إلى أن «لا تكون الخلية الأضعف وأن تنضم إلى العقوبات على إيران». في ضوء ذلك، من المتوقع أن نشهد معركة دبلوماسية حامية بين كل من طهران وواشنطن وتل أبيب، وستكون ساحتها أوروبا وموسكو والصين.