تحاول الدول الأوروبية، لا سيما الثلاثي المشارك في الاتفاق النووي، إظهار حرص من نوع خاص على عدم انهيار ما تبقى من الاتفاق النووي الإيراني. وإن كان إبداء هذا التمسك بالاتفاق جاداً وحقيقياً للحفاظ على المصالح التجارية الأوروبية المهدَّدة، فإن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، توسع ضغوطها غير عابئة بالموقف الأوروبي.

ذروة عدم الاكتراث الأميركي بمواقف الشركاء الأوروبيين، مثّلتها تغريدة للسفير الأميركي الجديد في ألمانيا، ريتشارد غرينيل، قال فيها: «كما كتب (الرئيس) دونالد ترامب، فإن العقوبات الأميركية تستهدف القطاعات الحيوية للاقتصاد الإيراني. ينبغي على الشركات الألمانية الفاعلة في إيران وقف أنشطتها فوراً». التغريدة حظيت بتفاعل واسع النطاق في ألمانيا، وتسبّبت في تذمر البعض من «الإملاءات الأميركية»، فيما تهرّب المتحدث باسم الحكومة الألمانية من التعليق عليها.
خطورة تصريحات غرينيل تكمن في أن مصير الاتفاق النووي سيكون مرهوناً بجملة عوامل، أهمّها بقاء هذه الشركات في إيران، إلى جانب عاملَي بيع النفط والتعاملات المصرفية. وإذا كانت العقوبات الأميركية واضحة في ضرب هذه المصالح الإيرانية جمعاء، فإن التعامل الأوروبي مع الموقف سيحتاج إلى صياغة شبكة أمان عملية وجدية، كما تطالب إيران، أولى مهماتها تحصين التبادل التجاري مع إيران قانونياً.
أميركياً، توضح كل المواقف السابقة واللاحقة لقرار ترامب أن الانسحاب من الاتفاق ينصبّ على إطباق الحصار الاقتصادي ضد إيران. ومن الصعب على ما يبدو فرملة التوجّه الأميركي أوروبياً، وتوفير واشنطن مصالح حلفائها الغربيين لتحقيق هدفها. فبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن العقوبات المتعلقة بقطاعات الطاقة والسيارات والمالية الإيرانية سيعاد فرضها في غضون ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر. وقد كان وزير الخزانة، ستيف منوتشين، واضحاً في إعلانه إلغاء تصاريح شركتي «بوينغ» و«إيرباص» لبيع طائرات الركاب المدنية لإيران، وهو ما يطيح صفقة مقدارها 38 مليار دولار.
ولم تتأخر وزارة الخزانة في إقرار المزيد من العقوبات ضد إيران كما وعد البيت الأبيض، إذ فرضت، أمس، إجراءات جديدة ضد ثلاثة كيانات وستة أشخاص اتهمهتم بالارتباط بـ«فيلق القدس التابع للحرس الثوري». وأشارت الوزارة، في بيان، إلى أن معاقبة الأفراد الستة والكيانات الثلاثة «جاءت بموجب التشريعات الأميركية التي تستهدف بشكل خاص الإرهابيين الدوليين المشتبه فيهم والنشاط المالي الإيراني».
الأخطر في مواجهة هذه الضغوط الأميركية يتمثل في كون تقديم الأوروبيين ضمانات للإيرانيين قد لا يكون كافياً للتأثير على الشركات الكبرى التي لديها مصالح مع الولايات المتحدة، إذ تقول شركات مثل «بيجو سيترون» و«سيمنس» إنها «تتابع الوضع عن كثب». حتى إن العملاق الفرنسي، «توتال»، التي تجري معاملاتها بالدولار الأميركي، وتستثمر مليارات الدولارات في مشروعات أميركية، تعتبر أن استمرارها في مشروع حقل بارس الغازي يعتمد على مصير الاتفاق. وبذلك، فإن الأسابيع المقبلة قد تحمل انهياراً عملياً للاتفاق ــ ولو قدم الأوروبيون ما يكفي من ضمانات ــ في حال قررت هذه الشركات الالتزام بالقرار الأميركي لحفظ مصالحها، وهو القرار المرجّح للكثير منها.
هكذا، تبدو مهمة الأوروبيين أكثر تعقيداً بعد قرار ترامب، لكن ذلك لم يمنع هؤلاء من متابعة المساعي والاتصالات لبلورة خطوات تحفظ الاتفاق. وعقب اجتماع في موسكو مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إن «من المهم معرفة القواعد المتعلقة بما يطلق عليه التأثير الثانوي، أي ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى أعمال شركة أوروبية في أميركا إذا استمرت الشركة في التعامل مع إيران». ومن جانبه، رأى لافروف أن «من المهم ألا تؤدي أي عقوبات جديدة ستفرضها الولايات المتحدة على إيران إلى نسف الاتفاق». وإلى جانب تأكيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للرئيس الإيراني حسن روحاني، في اتصال هاتفي، حرص ألمانيا على الاستمرار في الاتفاق، سُجّل موقف متقدم لوزير المالية الفرنسي، بورنو لو مير، بشأن النيات الأوروبية لمقاومة الضغوط الأميركية، حيث قال إن قرار ترامب كان «خطأً»، مشدداً على أن الولايات المتحدة يجب أن لا تعتبر نفسها «الشرطي الاقتصادي» للعالم.
يبقى أنه، حتى وإن نجح الأوروبيون في حماية مصالحهم وابتكار وسائل للالتفاف على العقوبات، فإن الإجراءات الأميركية المتصاعدة ضد إيران ستضع الجميع أمام تحديات أكبر من القدرات الأوروبية، تتعلق بالنفط والتعاملات المالية بالدولار والمعاملات المصرفية، فضلاً عن القرار الذاتي للشركات الأوروبية التي ستفضّل مصالحها مع الولايات المتحدة. وهو ما رجّحه نائب القائد العام لحرس الثورة الإيرانية، الجنرال حسين سلامي، أمس، وفق ما نقلته عنه وكالة «فارس» الإيرانية للأنباء، إذ رأى سلامي أن الدول الأوروبية «عاجزة عن إنقاذ الاتفاق»، وأنها «لا تستطيع التحرك بشكل مستقل». وقال الجنرال الإيراني إن «أعداء إيران لا يسعون للمواجهة العسكرية. يريدون الضغط على بلادنا بالعزلة الاقتصادية... المقاومة هي السبيل الوحيد لمواجهة هؤلاء الأعداء وليس الدبلوماسية».