تتزايد المؤشرات إلى وجود عزيمة أوروبية لمواجهة القرار الأميركي بالخروج من الاتفاق النووي. التوجه الأوروبي يسير في خط عام يزداد وضوحاً كل يوم، يدعو إلى أخذ مسافة من قرارات واشنطن الأحادية وحماية مصالح أوروبا الخاصة، وهو ما جمع القادة الأوروبيين أمس في العاصمة البلغارية. وفي طهران، بدأت علامات تأثير العقوبات الأميركية في الظهور، مع عزم «توتال» على مغادرة مشروع «بارس»، فيما بدا الرئيس حسن روحاني، أمس، أقلّ «تشاؤماً».

قبل انقضاء المهلة الأميركية، بدأت تبعات العقوبات على إيران تطلّ برأسها، مُؤكِّدة أن التحديات ستكون أكبر من توقعات الذين راهنوا على الاستفادة من انتهاء حقبة الحصار. مجموعة «توتال»، أولى ضحايا عودة الإجراءات الأميركية ضد الجمهورية الإسلامية، لا تجد بداً من حماية أصولها الأميركية البالغة «أكثر من 10 مليارات دولار من الرساميل التي تستخدمها»، وفق بيان صادر عن المجموعة أوضح أن الشركة «لا يمكنها أن تُعرِّض نفسها لعقوبات ثانوية أميركية يمكن أن تشمل خسارة تمويلات بالدولار من بنوك أميركية». بيان «توتال» يؤكد أن مساعي الحكومة الفرنسية لحماية الشركة لم تفلح بعد، وأن باريس لم تحصل من واشنطن على ردّ إيجابي بشأن طلب استثناء الشركة من العقوبات. وبالتالي، لن يكون بإمكان «توتال» الاستمرار في حقل بارس (مشروع أس. بي. المرحلة 11)، جنوبي إيران، وستوقف عملياتها المرتبطة بالمشروع قبل الرابع من تشرين الأول المقبل، إلا إذا «حصلت على إعفاء للمشروع من السلطات الأميركية وبدعم من السلطات الفرنسية والأوروبية»، كما جاء في البيان.
يمثل انسحاب «توتال» من المشروع الضخم، ومن العمل في أكبر حقل للغاز داخل إيران، علامة فارقة على حراجة الموقف الأوروبي ـ الإيراني أمام قرار انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات على طهران. ويُعدّ خروج «توتال»، في حال حدوثه، ضربة قاسية لمحاولات رأب الصدع بين طهران والاتحاد الأوروبي، ومثالاً على ضيق أفق المساعي المشتركة للمحافظة على الاتفاق، لجهة تأثير القرار الأميركي على باقي الشركات، ووضعه تصدير الطاقة في إيران أمام مصير مجهول. والأمران، تصدير الطاقة وعمل الشركات، إلى جانب المعاملات المصرفية، ملفات ثلاثة تحدد مدى إمكانية منع الاتفاق من الانهيار، وتشكّل جوهر النقاش التقني الدائر بين الإيرانيين والأوروبيين.

يضع قرار ترامب تصدير الطاقة في إيران أمام مصير مجهول


الموقف المعقد اعترفت به بريطانيا، أمس، مشيرة، على لسان وزيرة الدولة في وزارة التجارة رونا فيرهيد، إلى أنّ «من الواضح أن بعض هذه العقوبات يتعدى إيران»، ويجعل «من الصعب على الشركات تقويم مخاطر القيام بأعمال هناك». كل ذلك يتطلب مشاورات أوروبية استثنائية لبلورة ردّ مشترك على قرارات ترامب المتفردة، ما استدعى اجتماعاً لقادة الدول الأعضاء الـ28 في الاتحاد الأوروبي، عُقد أمس الأربعاء، في العاصمة البلغارية صوفيا. ووفق المتابعين، من المستبعد أن يصدر بيان عن العشاء غير الرسمي للقادة الأوروبيين، لكن اللقاء، كما ذكر رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، سيواجه ما وصفه بـ«الظاهرة الجديدة» التي تتمثل في «الموقف المتقلب للإدارة الأميركية». وتتداخل في صوفيا قضيتا التجارة الدولية وإيران، اللتان تتقاطعان في عدم اكتراث واشنطن بمصالح أوروبا، وهو ما يفرض على «أوروبا أن تحدد مصيرها بأيديها الآن أكثر من أي وقت مضى»، كما عادت وكررت أمس المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل. ومن بين الخيارات المتاحة لإخراج موقف أوروبي عام يترجم إعادة صياغة «موقف توافقي مشترك بشأن علاقتنا مع الولايات المتحدة»، كما قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، هو تطبيق قانون «التعطيل». وقانون أو إجراء «التعطيل»، هو تدبير سبق أن اتخذه الاتحاد الأوربي عام 1996 لمواجهة عقوبات أميركية فُرضت على جهات عاملة في كوبا وليبيا وإيران، ومن شأن إعادة تفعيله الحدّ من تأثير العقوبات على الشركات الأوروبية المتعاملة مع إيران.
وإن لم يتضح بعد مدى قدرة أوروبا على اعتماد إجراءات تحمي شركاتها العاملة في إيران، فإن معضلة تصدير النفط تبرز هي الأخرى كتحدٍّ رئيس أمام طهران في المرحلة المقبلة. وشدد وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، أمس، على أن بلاده لن تدخر جهداً «للحفاظ على إنتاجها وصادراتها من النفط عند المستويات الحالية»، مطمئناً إلى أن طهران ستتغلب على الضغوط الأميركية «وستخرج منتصرة».
وفي طهران أيضاً، بدت التوقعات متفاوتة من الجهد الدبلوماسي الذي يقوم به وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، مع الأوروبيين، للاتفاق على ضمانات تحمي الاتفاق النووي. إذ استبعد مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، علي أكبر ولايتي، أن تكون هناك «نتائج مثمرة» من المحادثات مع الأوروبيين، وقال ولايتي في تصريح صحافي: «آمل أن نصل إلى نتيجة، ولكن إلى متى ينبغي أن ننتظر؟... يجب علينا أن نحقق الاكتفاء الذاتي». من جهته، بدا الرئيس حسن روحاني أكثر تفاؤلاً، بالقول إن التوقعات الحالية قائمة على أن الدول الخمس الموقعة على الاتفاق «ستبذل جهدها لضمان كافة مصالح إيران في الاتفاق»، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أنه إذا ما تعثرت الجهود فإن طهران «لم تفقد شيئاً وقد وضعت مختلف الاحتمالات اللازمة لإدارة شؤون البلاد من دون وجود هذا الاتفاق».